أفاعيل نتنياهو ومن معه دون سواهم
الأحد، ٦ يوليو ٢٠١٤
عندما اختطف مجهولون، يُفترض أنهم من الفلسطينيين، ثلاثة مستوطنين وقتلوهم؛ كان ثمة اختلاف جذري، حول جدوى مثل هذا العمل بين الفاعلين وحكومة بلادهم أو سلطتها. لكن مثل هذه الفجوة لا يمكن تبيانها بين موقف الذين اختطفوا الفتى الفلسطيني المقدسي محمد أبو خضير، وعذبوه وملؤوا جوفه بوقود السيارات قبل أن يغمروه به ويحرقوه. ويمكن القول، بمنطق التحليل الطبيعي والهادئ أن الجريمة البشعة التي راح ضحيتها الفتى الفلسطيني، هي جريمة نتنياهو تحديداً دون سواه، بل إن مقتل المستوطنين الثلاثة، معطوف على مسؤوليته الحصرية عن موت الطفل الفلسطيني واليهود الثلاثة. ذلك لأن حكومة نتنياهو وسلطة المستوطنين تؤججان الصراع وتحثان على العنف، ولا تختلفان من حيث المشاعر والمواقف، عن الوحوش المعتوهين الذين أحرقوا الفتى الفلسطيني.
في حادثة قتل المستوطنين، خرج الفاعلون المجهولون من بيئة جريحة ومظلومة ومستباحة أرضها ومحاصر شعبها، وفي الحادثة الثانية، كان وما زال الفاعلون ماكثين، في بيئة عدوانية متطفلة، حاقدة ولا إنسانية، يؤيدها الحكم في الدولة التي يستظلون بسلاحها ويتمتعون بحماية جيشها، وهو حُكم بات وصمة عار على جبين السياسة الدولية، وعلامة بذيئة فارقة في تاريخ العلاقات بين الأمم.
سبق الإصرار والترصد، في جريمة قتل الفتى حرقاً، مؤكد، لكنه غير مؤكد، ولم يسبقه تعذيب ولا كبريت، في واقعة موت المستوطنين. فالافتراض كان وما زال قائماً، بأن الخاطفين أرادوا احتباس المستوطنين واستبدالهم بالأسرى، وربما يكون القتل وقع، عندما هاج عسكر إسرائيل ومستوطنوها بوحشية، بحثاً عن المختطفين، وتمسكاً بكل الذمائم: الاحتلال والاستيطان والسجون والسياسات. والغطرسة التي تأبى الاعتراف حتى بقابليتها للسهو الأمني أو للهزيمة حتى قيام الساعة!
كما أن الفارق بين الشعب الذي خرج منه مختطفو المستوطنين الشبان الثلاثة، وجمع المهووسين الذي جاء منه معذبو ومحرقو الفتى الفلسطيني؛ كبير جداً، لأن الشعب الأول ليست لديه مشروعات استعباد واستيطان وتعدٍ. ثم إن وجوده على أرضه ليس جريمة، أما وجود المستوطنين على الأرض الفلسطينية فهو بحد ذاته جريمة يومية، فما بالنا إذا أضفنا إليها التعديات وأعمال القتل وإحراق المساجد والأشجار والكنائس والبيوت وقصف غزة يومياً بطائرات الحرب الحديثة وغيرها!
وفضلاً عن الفارق بين قاتل وقاتل، هناك الفارق الشاسع بين عدد ضحايا القتل الفردي، وعدد ضحايا قتل الدولة وجيشها الرسمي. فحين يُقتل إسرائيلي في عملية عنف، لا يكون الفاعل هو القوة المسلحة الرسمية أو حتى الفصائلية الفلسطينية. ولا يُقارن عدد ضحايا وشهداء فلسطين، برصاص جيش الاحتلال، بعدد قتلى الإسرائيليين. فإن كان العنصريون يميلون بطبعهم إلى تثمين دمهم وتبخيس دم العرب والمسلمين، فإن المختبرات تكذّب مزاعم التمييز، لكن مرجعيات القانون الدولي، والقانون العام وقرارات الشرعية الأممية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ تميّز كلها، وبالأدلة، بين معتدٍ ومعتدى عليه، وبين صاحب الحق ومن يعاند على الباطل، وبين صاحب الأرض والمتطفل عليها، وبين من تُنتهك إنسانيته ومن ينتهكها.
إن الحكومة فاشية، بلغت من الصفاقة أن تتهم الآخرين بالإرهاب، بينما وزراؤها لا يترددون في الإفصاح عن كونهم مارسوا القتل بأيديهم. فمن مفارقات فلسطين قبل أيام، أن وزير الاقتصاد في حكومة نتينياهو، نفتالي بينيت، اتهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي لم يطلق رصاصة في حياته بأنه «إرهابي خطير» ونسي أنه عندما عارض صفقة تبادل الأسرى الفلسطينيين بشاليط، قال هو نفسه إن قتل الأسرى وليس إطلاقهم هو الواجب، وأضاف «أنا بنفسي قتلت الكثير من العرب، ولم يحدث شيء، إن قتلهم أمر عادي وطبيعي ولا مشكلة فيه»!
إن ما وقع في حلحول، من اختطاف وقتل لثلاثة مستوطنين، لم يكن له علاقة بالسلطة الفلسطينية ولا بالقوى السياسية ولا بمناخات الفتى محمد أبوخضيرة الذي قُتل حرقاً. وما وقع لهذا الأخير، من شأنه أن يخلق بيئة مضادة يتسم بعضها بالاستعداد نفسه. عندئذٍ. فلا بد من تعيين أصل المشكلة، وهو منهج عمل حكومة نتنياهو وحلفائها المستوطنين. فمهما فعل هؤلاء ومهما كابروا وعاندوا وعربدوا، سيظل الاحتلال محتفظاً بصفته الذميمة، وسيظل الشعب الفلسطيني يرفض هذا الاحتلال ويقاومه بأية وسيلة تتاح في كل مرحلة. وسيظل العالم يؤيد استقلال وحرية الشعب الفلسطيني. لذا فإن المتطرفين الذين يحكمون في إسرائيل، يسيرون عكس التاريخ، ولن يفيدهم كذبهم، ولن تؤخذ على محمل الجِد، أية بيانات منهم تستنكر جريمة تقع، فردية أو بأيدي جيشهم لأن شرط صدقيّة من يستنكر، هو ألا يكون هو نفسه قاتلاً، وهؤلاء المحتلون يقتلون في كل يوم.