حمام الحرم مظلة ضيوف الرحمن

ما إن توقفت الحافلة الصغيرة على عتبات مدخل الساحات الشرقية حتى قفز منها الصغير عبدالله متقدما والديه نحو المسجد الحرام، ولاحظ والده أنه يجري نحو تجمع للحمام مبادرا بالصياح والتلويح بيديه، فما كان من والده إلا الهرولة تجاهه، والإمساك به بكلتا يديه مع وضع كفه على فمه حتى لا يدفع الحمام الآمن للفرار من مكانه.
وردا على التساؤلات التي علت وجه أم عبدالله جراء هذا الموقف، أخبرها بأن إفزاع الحمام أمر لا يجوز، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (ولا ينفر صيده) في الحديث الصحيح.
ومثلما تشتاق الأذن لسماع ترانيم العصافير، تشتاق عيون المكيين للنظر إلى حمام الحرم، باعتباره رمزا للأمن والسكينة والطمأنينة والسلام، يعيش إلى جانب البشر منذ أمد بعيد حول البيت العتيق، معاصرا حقبا من العهود والحضارات التي مرت بالمكان.
ويتميز حمام الحرم بلونه الرصاصي مع خليط من السواد والبياض، وإن كان أكثر ما يغلب عليه اللون الرمادي.
ويحكي كبار السن من أهل مكة عن حال الحمام سابقا بأنه كان كالمظلة في السماء، يحوم حول الطائفين والذاكرين كما هو اليوم، يقتسم الأرض معهم، ويشاركهم أمن البيت وطمأنينته وتوزيع أرزاقه، ويعامل كالنفس الإنسانية لا يتجرأ كبير ولا صغير على إيذائه، ومن فعل ذلك فكأنه فعل جرما عظيما، واعتدى على نفس آمنة في حمى الرحمن في الحرم المكي الشريف، حتى أصبح الناس في بيت الله الحرام وكامل حدوده يدركون ويحفظون لهذا الطير الصامت حقه بأن يكون بينهم رسولا للسلام، متعاهدين على عدم الاعتداء عليه ومصادقته في كل مكان، وإدراك حرمة إيذائه فضلا عن حرمة قتله في هذا البلد الأمين.
وكان سابقا هناك مختص لإزاحة الحمام عن الحرم المكي يسمى بـ «كشاش» حمام الحرم، وقبل سنوات بادرت أمانة العاصمة ببناء مساكن للحمام، أقيم أحدها تحت جسر الحجون، غير أنها لم تحقق النجاح، كون هذه الطيور تختار موقعها بنفسها، وتتجه إلى مواقع في المساء تختفي فيها عن الأنظار، لتأتي فجرا في أفواج وتحط في مواقعها في منظر يترسخ في ذاكرة الزوار والمعتمرين.