جدة أم الرخا والشدة
الأحد، ٦ يوليو ٢٠١٤
عندما قال الأديب أحمد السباعي، إن مدينة جدّة سبّاقة إلى كل جديد، وفي اصطناع كل موضة، لم يكن يبالغ؛ لأن الله قد »حباها بموقع استراتيجي، ليس لكونها بوابة للحرمين، عبر ميناء تجاوزهما لأبعد من ذلك، فوصلت لمصر والخليج وشرق آسيا؛ ما جعل منها المدينة الحاضنة لكل الأعراق والثقافات«، بهذه الكلمات ابتدأ الكاتب والصحافي ورئيس تحرير مجلة رواشين جدة، سامي خُميّس حديث ذكرياته عن المدينة الغارقة في أحلام مستقبل أبنائها.
المدينة التي «وُلدت من تزاوج الصحراء بالبحر»، كما وصفها دياب في أحد كتبه، هي صنيعة أهلها الذين جدلوا من فضة موجها ضفائر حكاياتهم البيضاء، ومن رحابة الصحراء، نسجوا خيام قلوبهم، فاتسعت لتقلبات الأزمنة»، كما أبان خُميّس نقلاً عن محمد صادق دياب.
وفيما يرسم الحديث عن جدة ابتسامة رضى؛ لكل مختلف في نطقها، وبكل حركات الجيم، فهي «جَدّة المدن والناس إن فتحت جيمها، وحداثة الحياة إنّ كسرتها، وجارة البحر إن ضممتها» كما قال خُميّس نقلاً عن ابنها البار الراحل محمد صادق دياب الذي أودعها صفحات تُتلى في عدة إصدارات تناولت مدينة الأحلام جدة.
ولأن جَدة المدن والناس صاحبة الجيم المفتوحة،، بل هي في تفسيرها الدارج عند العامة، أم البشر، وهو ما يبدو في كونها تضم بين جنباتها مقبرة «أمنا حواء التي تحولت لمقبرة حواء فقط؟! دون وجود مبرر لإزاحة صفة الأم عنها»، كما أبان خُميّس؛ وسواءً ضمت المقبرة رفات جدة البشر؛ أم لا تظل ميزة رسمت لجدة البحر شخصيتها.
جَدّة المدن والناس كانت ولا تزال «تصطاد أفئدة من يأتي إليها؛ عن طريق جدائلها الممتدة، من الجبال في شرقها، مارةً بسهولها البيضاء، لتصل إلى بحرها وتُروى بنداها»، وهو ما حمل إليها أعراقا وثقافات كثيرة، ليس من جاراتها فقط، بل حملت موجات بحرها أشهر شخصية عرفها أبناؤها الخواجة يني؛ الذي ارتبط وجدانياً بمدينة الليل والسهر، وعطفاً على ما كتبه دياب، يُعد واحداً من الشخصيات التي سجلت حضورها؛ الطاغي في الذاكرة الجداوية.
وكما أوضح خُميّس فإن جدة «تعلمت من قانون المد والجزر على شاطئها، أن تكون دائماً في انتظار الفرح، والمتأمل لتاريخها، يُدرك مدى صحة المثل القائل جدة أم الرخا والشدة»، وهو ما بدا واضحاً في كوارث السيول التي اجتاحتها، الأمر الذي أذاب كل الاختلافات العرقية والثقافية بين أبنائها، من مقيمين ومواطنين، في بوتقة الحفاظ على مدينتهم.