خلافة داعش تثير المخاوف من تمدد الإرهاب في المنطقة

هل أصبح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بعبعا يهدد المنطقة بأكملها؟ وهل يعتزم التنظيم إقامة الخلافة الإسلامية وفقا لمفهومه في مختلف البلدان الإسلامية؟ وهل بات تقدم داعش في العراق مهددا لأمن المنطقة بأكملها لاحتوائه على مقاتلين من مختلف البلدان الإسلامية والعربية الأمر الذي يشكل تهديدا جديا بتمدد الإرهاب من خلال انتقال مقاتليه وتصدير الفكرة الإرهابية إلى بلدانهم عقب عودتهم ليكونوا نواة لإقامة دولة الخلافة المزعومة؟ هل تصلح بيئة السودان المليئة بالنزاعات المسلحة ووجود قوات الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة “اليوناميد” في دارفور، كحاضنة للتنظيم المتطرف وإقامة فرع له في السودان بحجة طرد القوات الأممية من السودان واتخاذه قاعدة أو منصة لمحاربة المليشيات التي تذبح المسلمين خاصة في أفريقيا الوسطى المجاورة؟

خلافة محصورة

يجيب المحلل السياسي ماهر أبو الجوخ قائلا: لا بد من النظر إلى التطورات الأخيرة لداعش وتحركه في العراق، والشكل المعنوي بإعلانه الخلافة الإسلامية في العراق بقيادة أبي بكر البغدادي، ومناداته أميرا للمؤمنين.
كل هذه التطورات ينظر إليها  حصرا في سياق المشهد العراقي  بشكل أساسي، لأن انتصارات داعش الأخيرة مرتبطة بتطورات على الأرض في العراق ذات احتقانات سياسية داخلية، وتململ واسع جدا من قبل عشائر سنية عراقية تعتبر أن ما يجري في ظل حكم رئيس الوزراء نوري المالكي تهميشا لها، واستفزازا من المالكي كشخص، وبالتالي إن التطورات الأخيرة مرتبطة بالمشهد العراقي.
ويضيف: خروج المالكي من السلطة يزيل 90% من الاحتقان في العراق، وإذا تم تشكيل حكومة جديدة في بغداد وبشكل جديد، وبات المالكي الذي يعد أساس المشكلة خارج المشهد السياسي ستنقلب الأمور، وهناك واقعة تاريخية حدثت بعد دخول القوات الأمريكية عام 2003 وقيامهم بحل الجيش العراقي في الواقعة المشهودة إبان وجود الحاكم الأمريكي بول بريمير، صحيح أن تلك الفترة شهدت نشاطا كبيرا لتنظيم القاعدة والتنظيمات المساندة له في تلك المنطقة بسبب حالة الاحتقان نتيجة لتصفية الجيش العراقي، ولكن تصحيح الوضع وتكوين ما يعرف بالصحوات ومصالحة مجموعات العشائر السنية أنتج توافقا سياسيا انعكس بشكل مباشر على النشاط العسكري والوجود السياسي للقاعدة، فتلقى ضربات موجعة كبيرة لدرجة انحسار نشاطه، ولم يتجدد نشاط القاعدة مرة أخرى إلا بعد الاحتقانات الأخيرة في المناطق السنية وبالتالي فإن الرابط الذي يربط ما بين استمرار داعش وتمددها وانتشار تجربتها يرتبط ارتباطا وثيقا بالمشهد العراقي.
ويقول أبو الجوخ: لا أرى أن داعش بالحجم والخطر الكبيرين اللذين يتم تصويرهما، فالمالكي هو الذي يضخم حجم داعش وخطرها لأن مستقبله السياسي بات على المحك، وبالتالي هو يريد أن يرسل رسائل دولية وإقليمية بأن الخطر لا يستهدفه وحده بل إن الخطر سيطال الجميع..فما يحدث الآن في العراق على الأرض هو خليط ما بين داعش ومجموعات من البعثيين السابقين ومجموعات من الجيش العراقي السابق والقوى الرئيسة في هذه المعادلة هي مجموعة العشائر السنية، وإذا خرجت مجموعة العشائر السنية من القتال فإن ذلك سيقود إلى إضعاف داعش بصورة مباشرة.
ويتابع: السؤال الذي يهم الجميع في المنطقة هو: هل تستمر تجربة داعش ويعمم نموذجها في بقية دول المنطقة؟ أقول ليس مكتوبا لتجربة داعش النجاح بشكل كبير، وإذا استمرت التجربة ومحاولة نقلها إلى السودان أو لأي دولة أخرى، فإن ذلك يتطلب حزمة ظروف موضوعية بإيجاد مبرر لمواجهة السلطة بالقوة، وأن نموذج خلافة داعش يعتمد على مبارزة ومواجهة السلطة بالقوة، وبالتالي إذا لم يكن في هذه المجموعة مبررات تحمل السلاح ضد السلطة المركزية الموجودة أو أي سلطة لاحقة، فإن هذا المشروع سيكون صعبا نقله إلى السودان أو لأي مكان آخر..يمكن أن يتكرر هذا النموذج في سوريا، وأن تكراره محتمل لوجود البيئة الحاضنة، ويمكن أن يتكرر هذا النموذج في ليبيا لوجود مواجهات مسلحة وفوضى قبلية، ووجود فصائل متناحرة وعديدة في الساحة.
وكذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال تكرار النموذج في مصر، وانتقال الدواعش إليها، لأنه لا توجد مساحة أو أرضية لذلك.

البيئة المثالية

ويوضح أبو الجوخ أن البيئة المثالية للجماعات الإرهابية  تحتاج  إلى بؤرة نزاع مسلحة، وبعدها تظهر الحركات أو الجماعات الإرهابية مثل داعش أو غيرها من المجموعات الإرهابية، وبالتالي أرى أن نقل هذا السيناريو وتكراره في أي دولة لإعلان الخلافة من خلال العمليات الإرهابية سواء كان السودان أوغيره، أمر مستبعد على الرغم من وجود نزاعات محلية في السودان في دارفور وجنوب كردفان.
وأضاف: مشروع الدواعش للخلافة يمكن النظر إليه في إطار تصفية الحسابات الداخلية وصراع مراكز السلطة بين تنظيمي الشام والعراق.
فتنظيم الدولة الإسلامية الموجود في الشام موال لأيمن الظواهري “القاعدة”، أما البغدادي فقد خرج عن طاعة الظواهري وبالتالي فإن الصراع الموجود حاليا هو محاولة نقل المركز الروحي  للمجموعات الإسلامية ما بين الظواهري والبغدادي، ومن الممكن أن تستولي على مدينة وتعلن خلافة، فهذا ليس له قيمة.
وفي تقديري أن أكراد العراق هم أكبر الرابحين من الذي يجري على الأرض، وأن الإيرانيين نفوذهم في تراجع، وهم حريصون على تبؤ المالكي رئاسة الوزارة لعدة مزايا في الرجل من بينها ضعفه الذي يجعله بحاجة دائمة لإيران وبالتالي تمددها وبسط سلطتها بنسبة 100 %.


يوسف: إعلان دولة المتشددين خطر

يقول وزير الدولة الأسبق بوزارة العمل السودانية، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الخرطوم الدكتور محمد يوسف أحمد المصطفى، إن فكرة تحكيم الشرع الإسلامي موجودة أصلا في السودان، ولا تحتاج إلى إعلان داعش، فالتطرف موجود في الفكر القادم من فكر الإخوان المسلمين  في مصر، وبالتالي لا أرى أن هناك جديدا في الأمر على الرغم من وجود خطورة في الأمر، واعتزام المجموعة إقامة  دولة على أساس ماضوي متطرف فيه تشدد في فهم وتفسير معاني الدين.
ويضيف: في تقديري هذه مسألة خطرة على المجتمع الذي يصاب بوجود مثل هذه المجموعات في أرضه سواء في السودان أو سوريا أو العراق..فهذا خطر على الدواعش أنفسهم لأنه يعكس مدى الضحالة الفكرية لديهم، ولأنهم خارج العصر والتاريخ.
ويتابع المصطفى: لدينا تجارب طويلة مع جماعات مشابهة في السودان، وأرى أن السودان محصن من فكر هؤلاء، والشعب السوداني تمرس على مقاومة مثل هذه الأفكار المتطرفة والقاصرة ويحرز يوميا انتصارات عليها، خصوصا على صعيد الحياة الاجتماعية، وعلى صعيد إفشال محاولة حملة مثل هذه الأفكار في أنهم  ينفذون على هواهم كما يشتهون أي بند من بنود أجندتهم، وفشلوا فشلا ذريعا، وبالتالي اتجهوا إلى تخريب الاقتصاد والحياة العامة وكل ما هو مقدر عند الشعب السوداني، ولكنهم فشلوا في أجندتهم الأساسية وهي تحويل الناس إلى رعايا  في إمارة.


السيد: ليس في مقدور الإرهابيين السيطرة على دولة

استبعد القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي الدكتور علي السيد نقل التنظيم لفكره المتطرف إلى السودان لإعلانه ولاية تابعة لخلافته الإسلامية من خلال العناصر السودانية الموجودة داخل التنظيم المتطرف.
وقال: بمقدورهم أن يسيطروا على مدينة أو أكثر، ولكن ليس في مقدورهم السيطرة على دولة بأكملها، وسيطرتهم على المدن نفسها موقتة لانقلاب سكانها عليهم ومقاومة فكرهم المتطرف، وهولاء المتطرفون يفتقدون للفكر الاستراتيجي ومفهوم إدارة الدولة، ولا توجد دولة في العالم ستتعامل معهم وبالتالي سيفشلون، لأنهم عبارة عن مجموعة من مجموعات الهوس الديني والتفكيريين، وجهلة بالعلم الشرعي، وليس لهم فهم ديني عميق.
وتابع: هؤلاء مجموعة من المرضى النفسيين، جاؤوا من بيئات فقيرة، والبيئات الفقيرة هي المسؤولة عن تفريخ مثل هذه المجموعات، والأفكار الجهادية وتمجيد ثقافة الموت وعشق الموت ترجع لأسباب نفسية وأخلاقية، ولكن أؤكد أنهم لا يستطيعون السيطرة على أي دولة، وربما تكون تحركاتهم الإرهابية مزعجة.
وأسوأ ما في الأمر أنهم شوهوا صورة الإسلام.
وأتوقع انهيارهم قريبا، لأن القضاء على الإرهاب أصبح هاجسا دوليا، لأن الوضع الدولي تغير، لأن هناك دولا بعينها أخذت على عاتقها تنفيذ ميثاف الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، وبالتالي فإن تنظيم داعش طالما أنه صنف من ضمن التنظيمات الإرهابية فلن تقوم له قائمة.
واستبعد تسلل عناصر الدواعش إلى السودان، وقال: هناك محاولات لعدة مجموعات إرهابية، مثل خلية الدندر، وقتلة الأمريكي جرانفيل وغيرهم، وهؤلاء يحملون نفس الأفكار رغم اختلاف المسميات.
وهم يحملون ذات أفكار الجهاد في سبيل الله.
والغريب أنهم يقاتلون المسلمين بدلا من الكفار.


بيومي: مستقبل الدواعش مجهول

أرجع الخبير الأمني العميد أمن حسن بيومي ظهور الجماعات المتطرفة نتيجة للفقر والبطالة، لافتا إلى أن المستقبل المجهول والإحباط الشديد يقود الشباب نحو الحركات الإرهابية المتطرفة مثل داعش والقاعدة وغيرهما.
وأضاف: الحركات المتطرفة أصبحت جاذبة لكل اليائسين من الحياة باعتبارها مخرجا من حالة الإحباط، فهؤلاء لو وجدوا فرص عمل وتنمية لما انخرطوا في مثل هذه المنظمات المتطرفة.
وأوضح بيومي أن انضمام عناصر سودانية إلى داعش وغيرها من الحركات المتطرفة، لم يكن نتيجة لقناعات، سائلا: ما هو مدى معرفة هؤلاء الذين يتحدثون عن الخلافة الإسلامية؟ وأضاف: هؤلاء مجموعة من الجهلة المحبطين والعاطلين يريدون لهم فرصة عمل سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة، ينفثون فيها حقدهم تجاه المجتمعات المستقرة.
وهذا يوضح حالات القتل الوحشية التي يقومون بها، ويعتقد أنهم يفتقدون البوصلة وليست لهم رؤى واضحة، وهم عبارة عن مجموعات من قاصري الفهم ويسعدون بالفرقعة الإعلامية التي تعلن عن سيطرتهم على بعض المواقع دون التفكير بالعواقب المقبلة لأنهم لا يبالون.
وأشار بيومي إلى أن السودان وضعه مختلف لأنه عبارة عن خليط مركب يقيه من شرور غزو التنظيمات المتطرفة.
وقال: السودان تحيط به عدة دول، وكل دولة لها تأثيرها المباشر، وبالتالي فإن وضعه يختلف تماما عن العراق واستبعد فرضية تمدد الدواعش إلى خارج العراق لجملة من الظروف الموضوعية من بينها فشل الخطاب الإسلامي غير المعتدل ناهيك بالمتطرف، وارتفاع نسبة الوعي بين العامة، ومكافحة التطرف والإرهاب، إضافة إلى أن معظم البيئات في المنطقة غير مثالية لكي تكون حواضن للجماعات والحركات المتطرفة، لذلك إن فكرة دفع داعش لإقامة إمارات إسلامية في دول المنطقة فاشلة حتى لو كانت وراءها قوة إقليمية مثل إيران لإثارة القلاقل في المنطقة.