ترشيد استهلاك الكهرباء.. التحدي الأصعب!

عندما يتحدث المختصون حول سلبية عدم ترشيد استهلاك الطاقة، ومستوى النمو العالي في استهلاك الكهرباء الذي سيقود حتما إلى استنزاف ميزانية الدولة، ويؤثر عكسياً على التنمية بشكل عام، فإن ذلك يحتم الوقوف عند كل نقطة في حديثهم، وقراءاتها بموضوعية متناهية.
وإن كان الحديث عن الاستهلاك المفرط للكهرباء ليس وليد اللحظة، بل مضى عقد كامل منذ أول حديث عنه، وأنشئ من أجل ذلك المركز السعودي لكفاءة الطاقة قبل ثلاث سنوات ونيف؛ بهدف توحيد عمل جميع الجهات ذات العلاقة بترشيد ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، لكن التقرير الصادر عن هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج يعيدنا إلى نقطة البداية في الحديث عن جدوى الترشيد في السنوات الماضية، ودور المركز السعودي لكفاءة الطاقة، ومدينة الملك عبدالعزيز للطاقة الذرية والمتجددة في إيجاد حلول عملية تسهم في ترشيد الكهرباء، وتحد من الاستهلاك المرتفع للنفط الخام في توليد الكهرباء.
فبعد أن قدر تقرير هيئة تنظيم الكهرباء قيمة فاتورة الدعم الحكومي لأسعار الوقود المخصصة لإنتاج الكهرباء للعام المالي 2013 بنحو 150 مليار ريال، وهو ما يزيد عن قيمة 1.5 مليار برميل نفط بالأسعار الحالية، ويعادل قيمة إنتاج 9 ملايين برميل يوميا من النفط العام لمدة 5.5 أشهر، ليبلغ متوسط تكاليف إنتاج وحدة الطاقة (كيلو واط ساعة)، ونقلها، وتوزيعها، من قبل الشركة السعودية للكهرباء حوالي (15.2) هللة (للكيلو واط ساعة) من ناحية، وليحصل منتجو الكهرباء في المملكة على زيت الوقود الثقيل، والغاز والديزل والزيت الخام بأسعار منخفضة جداً لا تتجاوز75 سنتاً، بينما تتراوح أسعار هذه المشتقات في الأسواق العالمية بين 9 و21 دولاراً من ناحية أخرى، يتبادر سؤال إلى الذهن، ماذا بعد ؟
لا سيما أن معدل النمو الاستهلاكي للطاقة في المملكة السنوي يتراوح بين 6 % و8 %، وتشير التوقعات إلى أنه وفقاً لهذا النمط الاستهلاكي المتصاعد، فإن الطلب المحلي على الطاقة بحلول عام 2030 سيكون ضعف الاستهلاك الحالي، ويعني ذلك تضاعفا في قيمة فاتورة الدعم الحكومي في 2030 لتصل إلى 300 مليار ريال بما يعادل قيمة 3 مليارات برميل من النفط الخام، وبما يعادل أكثر من ثلث إيرادات الميزانية السعودية في 2014 والمقدرة بنحو 855 مليار ريال.
هذا السيناريو يضع ترشيد استهلاك الكهرباء في مرتبة التحدي الأصعب للحكومة السعودية، كون التأثيرات السلبية المحتملة لاستمرار هذا النمط الاستهلاكي على المستقبل الاقتصادي لبلد يعتمد على النفط موردا رئيسا لميزانية كبيرة، لا يمكن تجاهلها أو السكوت عنها، وتتطلب إعادة قراءة تأثير نمو استهلاك الكهرباء الحالي والمستقبلي على الواقع الاقتصادي للمملكة، لكي نتمكن من استشراف المستقبل، وقراءته بواقعية، فاستمرار الاستهلاك بصورته الحالية سيقود مستقبلا إلى زيادة استهلاك الوقود الخام محلياً، وقد تتحول السعودية إلى دولة مستوردة للنفط الخام في ظل ضعف دور مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة في توفير بدائل تستخدم في توليد الكهرباء رغم مضي أكثر من أربعة أعوام على إنشائها، إضافة إلى أن ذلك حرم المملكة في الوقت الراهن من الاستفادة من ارتفاع سعر النفط عالميا بتوجيه كميات متزايدة من إنتاج المملكة من النفط نحو عمليات توليد الكهرباء من ناحية، وقيام الحكومة ببيعها بسعر رمزي للشركة السعودية للكهرباء بنحو 4 دولارات في مقابل 80 أو 95 دولاراً للبرميل في الأسواق العالمية، وبالتالي حرمان الميزانية العامة للدولة من إيرادات بيع هذا النفط خارجياً.
وحتى نكون أكثر إنصافاً فإن الدعم الحكومي لأسعار الوقود المخصصة لإنتاج الكهرباء لعب دوراً كبيراً في تشجيع التنمية في بدايتها حتى الوقت الراهن، لكن النمط الاستهلاكي العالي للكهرباء يجعل من المستحيل استمرار الدعم الحكومي له، ولتجاوز التحديات التي يفرضها هذا النمط الاستهلاكي، فإن إعادة النظر في الدعم المقدم للكهرباء من خلال صرف إعانة مباشرة للمحتاجين، وإعادة النظر في أسعار الطاقة بما لا يؤثر في النمو الاقتصادي، حلول آنية ومنطقية في المرحلة الراهنة، إلى جانب تشديد الرقابة على الالتزام بترشيد الاستهلاك، ونشر الوعي بأهمية ترشيد استهلاك الطاقة، وهي مهمة تتطلب جهداً كبيراً وعملاً منظما ومنسقاً للوصول لمختلف شرائح المجتمع ومؤسساته.