العراق مهرجان العجب

نوري المالكي تولى مقاليد الحكم في العراق عبر صندوق الاقتراع وبعد أن انتخبه من انتخبه من الشعب، ورفضه من رفضه من المعارضين له، ومن بقايا الحكم الصدامي البائد، والذين لم يتوانوا عن حرق الشوارع العراقية بشظايا الانتحاريين لإثبات فشله كحاكم.
وسرعان ما تناسى المالكي أسس الديمقراطية، وهمش دولة المواطنة المزعومة، وتلاعب بالدستور والقانون في فترتي حكمه المتردي؛ ويسعى حثيثاً لتنفيذ مشروع عراق طائفي شبيه بما كان عليه العراق في أيام صدام السني، مع اختلاف أن صدام كان يهمش الشيعة، والمالكي يهمش السنة، بطائفية مقيتة.
وليت أن المالكي توقف عند ذلك وكفى، ولكنه قام بتهميش جماعات شيعية معينة على حساب جماعات أخرى، وحاول زعزعة مشاعرها وأصولها وفكرها العربي، والتف عليها بالحبل الفارسي، مما جعل ديمقراطيته تزداد ظلمة، وتقاطعاً، واهتزازاً لم يعد يقنع أكثر الشعب العراقي، والذي عانى منه الأمرين ولم يعد يطول أقل حقوقه الأمنية والمعيشية البسيطة.
وتبعاً لذلك غدت العراق مرتعاً للفساد، ولجور الطبقات الثرية الحاكمة، ولتعددية فكرية متناحرة، ونشوء الجماعات المناهضة، وبروز الإرهاب، الذي كان ينسف كل محاولة لرأب الصدوع.
الجيش العراقي أصبح يدعى بقوات المالكي، لكثرة ما حكمته الطائفية، وما أحدثته من شروخ عميقة بين أفراده من السنة والشيعة، وما جعل الشيعة منهم ينقسمون حتى على أنفسهم.
ديمقراطية عرجاء كسيحة لم تتمكن من جمع كلمة أحد مع أحد فزادت الكتل السياسية وتنافرت ليصبح من الصعب وجود ائتلاف نيابي في الانتخابات الحالية يكفي لبلوغ الحد الأدنى المطلوب لحكم البلد. وحتى الجزء الكردي بكتلتيه (البارزانية والطالبانية)، تبلورت فيهما عوامل العزلة والاكتفاء، مما جعلهما تسيران في مسار مخالف لمسار العراق، مع نضوج فكرة الانفصال الكامل بالطائفة الكردية.
التدخل السياسي الإيراني كان منذ البداية قوياً، واستمر متصاعداً بلا حدود، وبأطماع السيطرة الدينية الفارسية على المشهد العام، ما جعل أهل الشيعة العرب، يعرفون أن عروبة بلادهم إلى زوال، وأن أمن واستقلالية مرجعياتهم ومزاراتهم إلى اختراقات عظيمة، فالأمر لم يعد طبيعياً بالتدخلات والهيمنة الإيرانية، المنذرة بتمزق العراق أشتاتاً.
عرّابة السياسة العالمية (أمريكا)، لم تعد تعرف كيف تخرج من ورطة تحريرها للكويت، واحتلال العراق، وإعدام صدام، وتدمير تراث إنساني، يعد من أقدم حضارات البشرية؛ وهي لا تريد التنصل كلياً عن مسؤوليتها، وسكب ماء وجهها؛ ولا ترضى بأي حال من الأحوال أن يأتي غيرها ليأكل الكعكة الساخنة اللذيذة بدلاً عنها.
كتلة الصدر، وائتلاف الحكيم، والنجيفي وعلاوي، وغيرهم شعروا بضعفهم في الانتخابات الماضية، فبدؤوا يرفضون ويعارضون ويقاومون بميليشيات مسلحة، وكل منهم يحاول إعادة الأمور إلى نصابها، الذي يناسبهم في شتات هذا البلد المختطف، وبأي وسيلة ممكنة.
كل منهم يعمل في الخفاء ويستحث العون من الداخل والخارج، ويقتل، ويخطف، ويفجر، ويزيد من بربرية وبشاعة المنظر.
وفي أواخر مشاهد ثورة سوريا تتجلى الحقيقة المرة، بصلابة وقفة روسيا والصين وإيران مع بشار، فيلتصق ظهره بالكرسي أكثر، ويستمر بتنظيف الحدود ببراميله المتفجرة المحرقة لكل من يعارضه، وكل من لا يعجبه.
فيتجه (الداعشيون) إلى ملعب أفضل، في أمكنة لا تمطر بالبراميل، ويتسللون بتعدادهم البسيط إلى أراضي العراق، فيجدون فيها جيشاً منقسما على أقسامه، ولا يرغب أفراده بمقاتلة شركائهم في السلاح، والبعض يرفض أن يرفع السلاح في وجه أهل مذهبه السني من داعش، فتصبح ألوية المالكي بين صبح وضحاه أعشاش خوف خاوية.
ويتقدم الداعشيون مهللين مكبرين، ومن خلفهم تتسلل كتائب الفزعة الشيعية لسوريا عائدة، وبمناظر هزلية مضحكة مبكية، فلا تعود تعرف ما الذي يحصل!.
ويستغل الوضع البعثيون من بقايا الحكم الصدامي، فيرحبون بالداعشيين، ويشجعونهم، بذكاء خبيث يريد كسب الختام. وحتى الأكراد أصابتهم نفس الحيرة، فلم يعرفوا من يقاتلهم، ومن يقف معهم.
إنها فوضى عارمة، ومهرجان للعجب، لن تلبث ألعابه النارية أن تتناثر وتحرق منازل الجيران الهادئة، وشوارعهم المظلمة الضيقة.