مجتمعٌ ذكيٌّ وملكٌ طموح
الجمعة، ٤ يوليو ٢٠١٤
فقدان الوعي، يحدث عند الإغماء، فلا يشعر المغمى عليه بما يدور حوله في تلك اللحظة، وهذه الحالة اتصف بها مجتمعنا في فترة من الفترات، فكان أشبه ما يكون بحالة المغشي عليه الذي يُنقل من مكان إلى آخر دون أن يشعر، وإذا أفاق شهق مرعوبا “أنا وش جابني هنا!”.
نلاحظ مؤخرا ارتفاع مستوى الوعي الاجتماعي، بفضل الله ثم بفضل التوجه الذي تقوده الدولة وحكماء المجتمع المتنورون نحو الانفتاح على الآخر بكل تفاصيله، الذي وسّع مدارك الكثيرين، وأخرجهم من حجرة “لا أريكم إلا ما أرى” وصار الناس، حتى وإن أنصتوا لمتحدثٍ في مجلس أو متفوه على منبر، أو بليغ في كتابة، لا يقبلون الأمر ببساطة، بل هناك ثلة ممن يقلّبون الكلام على أوجهه كلها، ويميزون ظواهره عن بواطنه، وسره عن علانيته، ويحكحكون معدنه، فإن وجدوه لامعا أصيلا في جوهره قبلوه، وإن كشفوا سواده ردّوه، ونوّهوا عن خلله.
إن الحراك الإعلامي في القنوات الفضائية بكل أشكالها وأحجامها ونواياها، ومواقع الإنترنت بكل تعرجات واختلافات طعومها وروائحها، لها الفضل الأول في ارتفاع مستوى الوعي الاجتماعي، وبلوغ الإنسان إلى مرحلة التفكير في الأمر قبل قبوله، وإن لم تحثه اللحظة على التفكير فإنه يظل ينتظر ردا على ما سمعه أو قرأه.
في تصوري أن حراك الرأي الاجتماعي ضد من يغررون بأبناء الوطن ويرمون بهم في أتون الخلافات والصراعات السياسية والطائفية في مناطق الصراعات المتفجرة، لهو أعظم دليل على تحرر المجتمع من القيود العاطفية الذي ظل مكبلا بها، وبرهان على ارتفاع الوعي الاجتماعي الذي ظل منوما ردحا من الزمن تحت تأثير الخطاب العاطفي الذي يلهي العقول بالدموع، ويؤخر التفكير بتأجيج جمر الصدور، حتى انساق الكثيرون خلف دعاوى وقضايا خاسرة، لم يجن المنساق خلف وهمها القبيح إلا الخسران موتا أو سجنا أو ندما.
وفي تصوري أيضا، أن تأكيد الكثيرين اليوم على ضرورة الوقوف صفا والتأكيد على دور اللحمة الاجتماعية والوطنية في بناء الوطن، لهو دليل عظيم على زيادة الوعي الاجتماعي، وقد آمن الكثيرون من أبناء الوطن بضرورة الانشغال ببناء الوطن عن صراعات الآخرين، بعدما شعروا بخسارة الوقت الذي صرفوه في الاهتمام بقضايا تشبه “السفسطة” لم يجنِ منها أهلوها إلا “قعقعة دون طِحنٍ” يقدّم الأمة خطوة في ركب العالم الذي لا ينتظر المتناحرين.
والمتابع المنصف أيضا، يجد الميل الاجتماعي إلى نبذ العنصرية، سواء القبلية أو المناطقية، والأخذ على أيدي المتصفين بها في الحال، فلا تجد مجلسا يخلو من حكيم يرد على متعصب حتى تفحم جمرته وتهبو، هذا على المستوى الداخلي، أما على المستوى الخارجي فنجد ميلا إيجابيا في تقبل الآخر، وعدم أخذه بجريرة عرقية أو عقدية، وكذلك خفوت الدعوات التي تتهم كل منتج تقني أو صناعي، أو عدم الالتفات إليها، وهذا ـ في نظري ـ دليل على زيادة الوعي الاجتماعي.
إننا بخير وفي خير ولله الحمد، وبلادنا تشق طريقها ولو “بتؤدة” إلى التقدم والازدهار، فها هم أبناؤنا وبناتنا يحصدون سنويا براءات الاختراع وشهادات التفوق والتقدير في الكثير من المحافل الدولية على شتى الصعد والتخصصات العلمية والإنسانية، لا ينتظرون منا سوى دعمهم، وتسليط الأضواء عليهم ليزيد بريقهم في نفوس إخوانهم الذين سيعملون مثلهم ليحصدوا ذات السطوع المستحق للشاب السعودي المميز.
أؤمن تماما بوعي مجتمعنا الذي بدأ يخطف الوهج، ليقود الأمة العربية والإسلامية إلى التميز العالمي، في عهد زاهر بالبناء والتخطيط بعيد النظر، يوجه الطاقات والقدرات إلى الإبداع، ويضع المعايير اللازمة لرفع الكفاءات والإيجابيات، والحد من السلبيات التي مارست فعلتها على المجتمع زمنا طويلا، ولعل عدم الالتفات إلى أزمنة الغيبوبة أوجب الواجبات في هذه المرحلة؛ لاستثمار هذا الوعي المتنامي وتوجيهه الوجهة الصائبة التي يرومها خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله.