وعي جديد في عالم يموج

لكل عصر روح وشرور، ومن لم تكن له روح العصر كانت له شروره، كما يقول فولتير. وفي عصر نحن نتاجه، عصر المعلوماتية والانفتاح التواصلي، عصر تغلبت فيه جغرافية المعرفية على جغرافية المكان، وأصبحت القوة لمن يحسن فن رسم الخرائط في واقع سريع ومعقد ومصلحي، يتضاعف التعقيد على مجتمعات بطيئة في قراراتها وأفعالها، ناقصة في حرياتها، مأسورة بعقبات التخلف ومسكونة بهواجس الخوف والاستلاب، تتسلى بهوية تمزقت إلى هويات من نسج الأوهام. عالم يموج بالحروب والنزاعات، وتفتك فيه الأمراض والآفات، انتشر فيه الظلم وغابت العدالة. عالم أصبح فيه الإنسان منزعجاً قلقاً مضطرباً، لا تشير بوصلته إلى الاتجاه الصحيح في كثير من الأحيان. ولا أضر على إنسان هذا العصر من غياب المفاهيم والسلوك لأعظم مبادئه وقيمه ومقدراته كالحب والعطاء والتسامح والسلام.
في ظل هذا العالم الجامح فإن مجموعة من الشباب والفتيات بدؤوا البحث عن طريق للعيش بسلام، واكتشاف عمقهم الروحاني، ليتجاوزوا حروب الكلام، ومعسكرات الإيديولوجيات والمعتقدات، وليخرجوا من سجون العقل المحدود، إلى فضاءات النفس وآفاقها، ومن أوهام الأنا الزائفة إلى نزاهة الأنا الحقيقية. في حالة لا تختصم مع العقل، ولكنها تفهم أدواره الشريفة، دون أن يكون له سلطة مطلقة يحاكم فيها الروح، ويمنطق كل الوجود.
يلفت الانتباه شغف الشباب والفتيات للحديث عن السكينة والنجاح الروحي، على صفحات التواصل الاجتماعي وفي محيط الدورات التدريبية والأمسيات الثقافية. والشاهد من حكاية الحال أن الجيل الشاب يستأنف ما فات على من قبله ممن استخدمتهم عقولهم بدل أن يستخدموها، أولئك الذين تركز اهتمامهم كيف يمتلكون، ولم يتركز اهتمامهم كيف يكونون، فأصبحت الحياة مادة لا روح فيها حين تحولت إلى حركة وإجهاد واستهلاك، وما نتج عن ذلك من أمراض النفس وضغوط الحياة.
لعل ذلك يأذن بفجر جديد لعصر الحكمة حين يهدأ العقل بسكينة النفس، ويستطيع الإنسان أن يتدبر حاله، ويعيش فرحته وسعادته، ويحفظ صحته ويحقق إنسانيته.
إن السكينة والحكمة يجب أن تكون مشروع العصر الراهن عبر التعليم والإعلام والخطاب الثقافي العام، مشروع يقوم به المعلمون الحكماء من علماء الدين المتبصرين، ومن أهل الحكمة والرأي والتجربة السديدة، وهو خيار بات ملحاً وأي تأخر فيه فإنما هو تجاهل للحقيقة، بل وعداء لها وهو ما سيجنيه المجتمع وبالاً حين يكون النزق هو سيد الموقف في القرارات والتحولات، وحين يطغى الزيف والمزايدات في كل الخطابات. المجتمع هو ضحية الظلم والنزق والكراهية والبغضاء والتفكك وكل مخرجات اللاروح واللاوعي.
إن الخطاب الديني يجب أن يكون واعياً أكثر من غيره، وأن يكون يقظاً من أن يُشغل ويُستغل للصراعات والشعارات، وعلى علماء الدين عبء الوعي الذاتي الذي يدركون من خلاله رسالتهم في فهم التدين كنور مشكاة النبوة ـ هدى ورحمة ـ يجد الناس فيه مستراحهم من متاعب الحياة، بل يفتح لهم آمال السعادة والحب والسلام.. فتحية لشبابنا وفتياتنا على السلام الذي يشعرون به ويريدون لكل العالم.. فهنيئاً لهم وبهم. وسلام الله على العالمين.

du7aim.m@makkahnp.com