استراتيجية الفوضى الخلاقة
الخميس، ٣ يوليو ٢٠١٤
لم يتفاجأ العالم بإعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» عن الخلافة الإسلامية وتنصيب زعيمها أبوبكر البغدادي خليفة لها، بقدر ما تفاجأ بسيطرة هذا التنظيم مع بعض الفصائل الثورية الأخرى على مدينة «الموصل» الاستراتيجية في العاشر من شهر يونيو الفائت، وكذلك سقوط بعض المدن السنية في الأنبار وديالى وصلاح الدين أمام زحفهم المتواصل، ولكن تبقى مدينة الموصل والاستيلاء عليها بالصورة الدراماتيكية التي ظهرت في الفضائيات وهي تظهر أرتالا من الجيش العراقي وهو يهرب من ساحة المعركة مذعورا أمام بضع مئات أو آلاف من المقاتلين دون أن يطلق رصاصة واحدة، في مشهد أعاد الذاكرة إلى أحداث ما بعد تحرير الكويت عام 1991 عندما هرب هذا الجيش هروبه الكبير أمام الزحف الأممي ولم يجد «بعضه» غضاضة في تقبيل حذاء الجنود الأمريكيين لكي يتركوه بأمان ولا يؤذوه، ربما يحتاج الموقفان المتخاذلان اللذان أبداهما الجيش العراقي ــ رغم الفاصل الزمني بينهما ــ إلى دراسة سايكولوجية معمقة لمعرفة المؤثرات والدوافع الحقيقية لقيامه بهذا العمل المزري والشائن عسكريا واجتماعيا رغم أن تاريخه المهني يشهد له بالكفاءة والإقدام، وهل للقمع المنظم الذي مارسته الحكومة البعثية السابقة لمدة 35 سنة والحكومة الحالية برئاسة «المالكي»، دور في إحباطه النفسي وخوفه الشديد من المواجهة؟!..
أقول يبقى وقوع مدينة «الموصل» بيد «داعش» نقطة تحول استراتيجية في المنطقة، صبت لصالح هذا التنظيم، وبرزته كقوة عسكرية ضاربة لا يمكن تجاهلها سواء كتنظيم إرهابي يهدد النظام العام في المنطقة أو كقوة سنية متطرفة تشكلت نتيجة بروز قوة شيعية متطرفة مشابهة في الساحتين العراقية والسورية، والاختلاف بين القوتين أن الأولى مجرد تنظيم عسكري عرف بالإرهاب ليس له قوة نظامية أو دولة يقودها ويحكمها كما تفعل الثانية أي الشيعية، ولكي تكون بموازاة الثانية عليها أن تشكل دولة تديرها، وهكذا فعلت وقامت بالإعلان عن دولة سنية بمواجهة الدولة الشيعية في مناطق نفوذها التي تمتد من مدينة «حلب» السورية إلى «ديالى» العراقية، ولكن مشكلة دولة «داعش» أنها لا تحظى بدعم واعتراف دولي ولا تحظى بالشرعية الدولية، ولا تقف بجانبها دول إقليمية وأجنبية، على الأقل بصورة علنية ومكشوفة كما تفعل إيران وروسيا وغيرهما من الدول مع العراق وسوريا، بل على العكس كل الدول تقريبا ضدها وتعتبرها خطرا محدقا على أمنها الداخلي، بخلاف الدولة الشيعية في سوريا والعراق، فإنها تمتلك مقومات الدولة من جيش وأسلحة ثقيلة وعتاد ومؤسسات وبنوك وميزانية ودول تساندها وتدعمها ومنظمات دولية تحميها وتسبغ عليها الشرعية، وهي تمارس التطرف والإرهاب بنطاق واسع وبصورة منظمة ومتواصلة من خلال الميليشيات الشيعية الإرهابية كـ»كتائب حزب الله» و»عصائب أهل الحق» و»جيش المهدي» «و»ثأر الله» و»يد الله» و»كتائب ثأر الحسين» التي ترعاها وتحميها حكومة «المالكي» الذي وصفه زعيم التيار الصدري مرة بأنه «ينشر التشيع في العراق»، وهذه الميليشيات الطائفية المنظمة والمدعومة حكوميا والتي لا تقل خطورة وإرهابا عن تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، هي التي قامت بقتل مئات الآلاف من أهل السنة في بغداد إبان الحرب الطائفية عامي 2006 ــ 2007 .. وفي سوريا حدث ولا حرج، آلة القتل اليومي شغالة والتشريد مستمر وما زال المجتمع الدولي ساكتا عن جرائمه وعن جرائم الدول الإرهابية التي تساعده وتمده بالدعم والمساندة .. وعلى الرغم من كل ما فعلت ميليشيا «حزب الله» اللبناني بحق السوريين واللبنانيين، لم تدرج في قائمة الإرهاب، وعندما أدرجت دول الخليج من جانبها هذا الحزب بقائمة الإرهاب، رد زعيمه «حسن نصرالله» «بلوها واشربوا ميتها!!»
لا أحد يعرف بالضبط أبعاد هجوم «داعش» على الموصل ومن يقف وراءه وكيف استولى تنظيم صغير على مدينة كبيرة بالسرعة التي تم فيها ومن ثم إعلانه عن دولته الجديدة، هذه التحركات لم تستغرق سوى «عشرين يوما» فقط، وهذه المدة تعتبر قصيرة جدا في الحسابات العسكرية، لا يمكن تصورها، وما يؤكد بحسب رأيي المتواضع، أن قوة دولية كبيرة تقف خلفها، قوة خفية ــ غربية مثلا! وأمريكية على وجه الدقة ــ لها أجندة سياسية في المنطقة العربية والشرق الأوسط، تقضي استراتيجيتها بنشوب حرب طائفية بين السنة والشيعة وفق نظرية الفوضى الخلاقة ومشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تبنته وزيرة الخارجية الأمريكية «كونداليزا رايس» في مطلع عام 2005 وأعلنت عن نية بلادها «بنشر الديمقراطية بالعالم العربي والبدء بتشكيل ما يُعرف بـ»الشرق الأوسط الجديد»، كل ذلك عبر نشر «الفوضى الخلاقة» في الشرق الأوسط عبر الإدارة الأميركية».. الاستراتيجية الأمريكية تقتضي وفق نظريتها «الفوضوية الخلاقة» شحن النوازع الطائفية بين السنة والشيعة عبر وسائل الإعلام وإيصال الصراع الطائفي التاريخي بينهما إلى ذروته القصوى، من خلال مواجهات مسلحة دموية، ورفض العيش المشترك في مجتمع واحد، كما هو الحاصل اليوم في العراق وسوريا.