الثنائية الأدبية بين عدم الثقة وفهم التجربة
الخميس، ٢٣ يناير ٢٠١٤
انتشرت في الساحة الثقافية مؤخرا، ظاهرة اختيار شعراء أو قاصين لنقاد معينين من أجل قراءة نقدية لأعمالهم عندما توجه الأندية الأدبية دعوة إلى المبدعين في الأمسيات الثقافية
أسماء معينة بدا أنها تنتهج هذا المنهج بينها الشاعرة أشجان الهندي التي عادة ما تختار لقراءة أعمالها النقدية أسماء الزهراني
ثمة من يرى أن في ذلك ضعفا في ثقة المبدع بنفسه، آخرون يرون أن المسألة طبيعية بشرط أن يكون الناقد ملما بالتجربة المقروءة، ولا يرى بعضهم أن القضية ترقى لكونها ظاهرة
وهي ظاهرة -كما تكشف مدونات الأدب العربي- ليست جديدة بل قديمة منذ أن وجد الشاعر ومن يروي للناس قصصه ومواقفه
الشاعرة الهندي أكدت أن قراءة الناقدة أسماء الزهراني لتجربتها الشعرية حدثت مرة واحدة فقط، وهي لا ترى في مسألة الثنائية بين الناقد والشاعر أي مشكلة طالما كان الناقد مستوعبا وملما بالتجربة، مبتعدا عن المجاملات ومعتمدا ركائز النقد، ومن شأن القراءة النقدية إذا كانت عميقة وموضوعية أن تثري الناقد والشاعر أما إذا كانت مبنية على محسوبيات فلن تستمر
ابن جنّي والمتنبيوذهب عضو مجلس إدارة أدبي المدينة الناقد نايف فلاح إلى أن هذه الثنائية ليست جديدة وهي ذات بعد تاريخي، إذا ما عدنا إلى الناقد أبو الفتح عثمان ابن جنّي وهو عالم نحوي كبير، وكان أعلم الناس بشعر المتنبي وأول من شرح شعره، وقد قال المتنبي حينها قولته الشهيرة (ابن جنّي أعلم بشعري مني)
فلاح الذي هو الآخر ثنائية واضحة مع الشاعر حسن صيرفي -رحمه الله- يرى أن التجربة لها جانب إيجابي إذا كان الناقد مُلما، ويعرف مكونات الشاعر أو المبدع بالعموم، ويفهم اتجاهه العاطفي في أعماله الإبداعية، مشيرا إلى تجربة الناقد محمد حميد مع الأديب الشاعر علي أحمد باكثير الذي ما زال حتى الآن يقدم أطروحاته حول أعمال هذا الأديب وكذلك علاقة محمد القشعمي مع الأديب عبدالكريم الجهيمان والتي قدمت لنا أعمالا نوعية أثرت المكتبة الثقافية
وبحسب فلاح فإن أدبياتنا الثقافية تكشف لنا أنه كان لكل شاعر في التاريخ تقريبا راو يقدم تجربته للناس ويهتم بها وربما أضاف عليها سواء إضافة إيجابية أو سلبية
الروائي أحمد الدويحي لا يرى بأسا في ذلك التوجه طالما كان الناقد مطلعا على تجربة المبدع وملما بتفاصيلها، فالناقد يفترض أن يكون لديه قدر كاف من محبة نتاج المبدع، ليستطيع أن يتعاطى مع هذا المنتج ويكتشف جمالياته، ويصنع نصا موازيا له يضيف إلى المنتج ولا يفسر غموضه، ولكن الإشكالية ليست هنا، بل في تلك الدراسات التي أصبحت موضة، يمكن تفصيل مقاساتها على كل نتاج إبداعي، لأسباب كثيرة منها ما يهدف إلى الحضور أو إلى الكسب المادي مع الأسف
وبحسب الدويحي فإن المشهد الأدبي بات يعاني من ترهل كبير، وفقد كثيرا من المصداقية والشفافية المطلقة، وسادت المصالح والمجاملات وتكررت أسماء بذاتها لنفقد التميز والإبداع الحقيقي، لأن المبدع الحقيقي ينأى بنفسه وإبداعه عن التوسل والانغماس في السائد والعادي المتداول
واستغرب الروائي صلاح القرشي أن يقوم مبدع سواء كان شاعرا أو قاصا باختيار ناقد معين ليقدم قراءة نقدية له في الأمسية التي سيشارك بها إلا أن الأكثر غرابة - بحسب صلاح- أن تقبل الجهة المستضيفة بهذا الأمر، فالمفترض والطبيعي أن تقوم هذه الجهة بتقديم نماذج من نصوص الضيف لمن تراه من النقاد ليقدم بعد ذلك قراءة خاصة وخالصة بعيدا عما يمكن أن يكرس «الشللية» وبعيدا عما يسيء إلى النقد والناقد ويحول المسألة إلى مجرد تلميع ومحاباة، مضيفا «أعتقد أن المبدع الذي يشترط وجود ناقد محدد معه هو مبدع قليل الثقة بنفسه»