تصدير التشدد

تتفاخر شعوب العالم بمنتجاتها الصناعية والثقافية، وتسعى لتسويق هذه المنتجات عبر حملات إعلانية مستمرة وبأشكال متعددة لإقناع الناس باقتنائها والبحث عنها، وليس هناك أصعب من تسويق المنتج الثقافي الذي يدخل في منافسة كبيرة مع الثقافات الأخرى، وحتى يكون له شأن ومكانة فإنه يحتاج أن ينافس بقوة وبجدارة وبجودة عالية ويستخدم طرق إقناع قد تميل للمكر والخديعة (المشروعة) لاستمالة نظر المستفيدين واستقطابهم. أما المنتج الصناعي فتسويقه سهل وواضح، فمقدار الحاجة إليه هو الذي يحدد مدى منافسته من عدمها. السؤال الآن: ما هو منتجنا الثقافي الذي نفخر به ونسعى لتصديره للعالم؟ بنظرة شاملة للخارطة الثقافية السعودية نجد أن مجالات الثقافة بمختلف فروعها المعرفية والعلمية والفنية تزخر بالعديد من المنتجات الجديرة بالمنافسة محليّاً وخليجيّاً وعربيّاً وعالميّاً، ففي مجال الأدب لدينا روائيون وشعراء ونقّاد لهم صيت كبير وبصمة إبداع، وفي مجال الفكر والفلسفة هناك أسماء بدأت تأخذ طريقها في الظهور وإن كانت على استحياء، وفي المجال الفني الموسيقي والغنائي والمسرحي والفن التشكيلي لدينا أسماء كبيرة فرضت وجودها ونكهتها بكل ثقة ولها حضور مميز في المحافل العربية والدولية، وفي المجال العلمي والطبي والهندسي هناك الكثير من القامات الكبيرة التي صنعت لها مكانة عالمية بإنجازاتها المميزة رغم تواجدهم خلف الأضواء وقلة ظهورهم الإعلامي. ومن المجالات المهمة التي برز فيها الكثير من النجوم هو المجال (الديني)، فلدينا أسماء كثيرة من علماء ودعاة وطلاب علم ووعاظ بمختلف انتماءاتهم المذهبية والمنهجية استطاعوا أن يجدوا لهم موضعا على الخارطة الثقافية السعودية، وهذا أمر طبيعي بحكم الثقافة الإسلامية السائدة في البلاد، ولذا نجد التنوع الجميل في أطروحاتهم بين الطرح العلمي الفقهي والفكري وبين الطرح الوعظي الروحي والأخلاقي وبين الطرح التربوي التوجيهي والتوعوي. لكن السؤال هو: هل وجد المتلقي في داخل وخارج البلاد لدى هؤلاء ما يشبع نهمه الديني والشرعي من الناحية الروحية والأخلاقية والعلمية والتربوية؟ أم كان ظهورهم يعتمد على نقل الثقافة الدارجة وإلباسها بلباس الدين؟ هل فعلا استطاعوا الوصول بلغة خطابهم الديني لكل الناس؟ هل لديهم شيء نفخر بأن نصدّره للعالم؟ هي تساؤلات خطرت ببالي عندما رأيت أن دولة قطر ممثلة بوزارة الشؤون الإسلامية قامت باستضافة أحد رموز (التشدد والاحتساب) ومن دعاة الصراع المجتمعي وممن صال وجال في الشأن الداخلي تفسيقا وتبديعا ونقدا لاذعا صريحا، فإذا به يُستضاف رسميا لإلقاء محاضرة ويخطب الجمعة، هل بضاعة هذا الداعية وأفكاره ومنهجه تستحق أن نفخر بتصديرها للخليج وللعالم؟ يا دولة قطر لدينا من العلماء والدعاة الوسطيين الداعين للتسامح والتعايش وتقبّل الآخر من هو أولى من ذلك الداعية! فلماذا هذا بالذات؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها!