شهوة التكفير!
الأربعاء، ٢ يوليو ٢٠١٤
ربما أول سؤال يتبادر للذهن عند مناقشة التكفير هو: هل الأمر تحول إلى ظاهرة في المجتمع أم مجرد حالات فردية؟
ولأنني لم أقم بمسح ميداني ولا تتوفر لدي إحصائية فإنني سأعتبر الأمر مجرد حالات فردية، وهذا الاعتبار يطرح سؤالا آخر: هل هذه الحالات الفردية غير مؤثرة ونرجئ النقاش فيها حتى يتحول الأمر لظاهرة؟
الخطورة من وجهة نظري تكمن في انتشار التكفير والتفسيق بشكل لافت بمواقع التواصل الاجتماعي (وتحديداً تويتر)، وممن يصطلح الشارع على تسميتهم (بالعلماء) سواء الأكاديميون أو الدعاة أو نجوم الوعظ الإعلامي، ولهذا قد يقول قائل إن (تويتر) ليس بالضرورة عينة تمثل شرائح المجتمع ويمكن قبول صحة القياس عليها، وأيضاً شيوخ تويتر ليس هم العلماء الثقات الذين يأخذ برأيهم المجتمع في مثل هذه المسائل، وهذا القول موغل في (اليوتوبيا) والمثالية بأقصى درجاتها براءة تصل لدرجة السذاجة، فالسعودية تصدرت دول العالم في نسبة المستخدمين النشطين لموقع التواصل الاجتماعي (تويتر)، حيث حصلت على نسبة 41% وتفوقت حسب الدراسة التي أجراها قسم الإحصائيات في موقع «بيزنس إنسايدر» على دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين.
وبالطبع فإن أغلبية مستخدمي هذه الموقع هم من الشباب، ولهذا يكون تأثير( تويتر) أكثر بفارق هائل من تأثير الكتاب أو وسائل الإعلام الرسمية، ولعل تجربة (فيس بوك) في ثورات ما يُسمى الربيع العربي دليل واضح على تأثير هذه المواقع، فـ(فيس بوك) كان هو أهم أدوات الثورة بمصر التي تعد الدولة الأكثر استخداما للفيس بوك في العالم العربي. أما تأثير شيوخ تويتر والتقليل من ذلك بالقول بأنهم ليس من أعضاء هيئة كبار العلماء ولهذا فإن تأثيرهم سيكون محدوداً، فهو قول يجب التوقف عنده كثيراً، فشيوخ تويتر أيضاً ليسوا نكرات أو من يراهم المجتمع متطفلين على العلم الشرعي، بل هم أساتذة جامعات ومتخصصون في الشريعة وأصول الدين، وأغلبهم لهم حلقات تدريس في المساجد، ومع ذلك تجدهم بتويتر بشخصيات غارقة في التصنيف والإقصاء، ليس للطوائف الأخرى فقط، بل حتى لمن لا يتفق معهم من العلماء الذين يحظون بثقة الشارع، فمن يخالفهم هو بالضرورة (جامي) يجامل ولا يصدع بالحق، ولا يمتلك (الجرأة) مثلهم. ومصطلح (جامي) لا يستخدم بصفته منهجا أو فكرا، بل للإيحاء بأن من يحمله لا يعدو كونه من (علماء السلطان)، مهما كبر شأنه وعلمه. أما أصحاب المذاهب الأخرى فإنهم يستخدمون معهم من الألفاظ حدّث ولا حرج، وهنا «حدث ولا حرج» بمعناها الحرفي، بل إن أحدهم وهو أستاذ جامعي وشيخ وقور استخدم تغريدة له لولا الحياء أولا، وضوابط النشر ثانياً لنقلتها هنا، فوصل الأمر للقذف العلني الذي ترفضه الديانات السماوية والقوانين الوضعية، وكم شعرت بالخجل والألم معاً وأنا أقرأ تلك الكلمات، وفكرتُ في أولاده أولاً، وطلابه ومريديه ثانياً، وهم يقرؤون ما كتبه والدهم من ألفاظ نابية، ناهيك عن متابعيه بتويتر وهم بعشرات الآلاف!
ولهذا يحق لنا أن نسأل: ما الذي جعل المسلم العامي البسيط أو حتى المُغرم بالرياضة والفن يسأل عن فلان هل هو كافر أم لا؟ هل أصبحت معرفة عقيدة الآخر من ضرورات الدين؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه. متفق عليه واللفظ لمسلم. وفي لفظ آخر عند مسلم: إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما.
فالله سبحانه وتعالى سيحاسبنا على تكفير الآخر، لكنه بعدله ورحمته لن يسألنا لماذا لم نكّفر الآخرين، بل لن يسألنا – سبحانه وتعالى- عن جهلنا بصحّة عقيدة الآخرين.