عندك واسطة عندك أمل!

انتشى مزهواً بتخرجه من الجامعة وبمعدل مرتفع، وأطلق ضحكاته البريئة في حفل تخرجه لتعانق المجهول ولترسم حوله هالة من البهجة والسرور، كان يعتقد أن الوظيفة المناسبة لقدراته واختصاصه قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الاحتفاء بها والتلذذ بمزاياها، ولكن شيئاً ما كان يكدر مزاجه ويحاول اغتيال فرحته، إنها تلك الكلمة التي سمعها من أحدهم ذات مساء عندما قال له: هل عندك واسطة؟ قال: لا، ولكني حصلت على معدل مرتفع وتمكنت من اجتياز اختبارات قياس، قال له: إذا اطلب الله.
ومع إيمانه بأن كل شيء بيد الله سبحانه وتعالى إلا أن هذا المصطلح المحبط للآمال قد اقتحم عليه حياته واستولى على جلّ تفكيره، ولكنه مع ذلك لم يركن إلى كل هذه الوساوس وقام بالبحث عن الوظيفة المنتظرة.
مرت السنة الأولى وأمله في الحصول على الوظيفة المناسبة قد بدأ بالتلاشي شيئاً فشيئاً فيما شبح الواسطة لا زال يطارده، وغول العطالة يقف مترصداً له على ناصية الطريق وكأنه يترقب قدومه بين الفينة والأخرى.
لقد تشرب مجتمعنا ثقافة الواسطة وترسخ مفهومها في الأذهان وتعمقت آثارها في كل مفاصل الحياة وأصبحت شيئاً عادياً، فأنت قد تجدها في طابور مخبز التميس كما قد تجدها في المكاتب الفارهة، بل قد عدها البعض من الصفات الحميدة وأسبغ عليها سيما الشفاعة والنخوة والشهامة، وأصبح صاحبها ممن تقف له الهامات احتراماً عندما يغشى المجالس.
الواسطة داء عضال ومرض مستعص استشرى في جسد المجتمع، وأصبح البرء منه صعباً إن لم يكن مستحيلاً، ولو لم يكن من سلبيات الواسطة إلا أنها تقصي ذوي الكفاءات وتقرب الأقل قدرة وكفاءة لكفاها قبحاً واستهجاناً.
لقد انعكس التعاطي مع الواسطة بين كافة شرائح المجتمع على تدني مستوى الأداء الوظيفي، وساهم في وأد روح الإبداع والابتكار، وأنتج لنا جيلاً من الاتكاليين والكسالى غير القادرين على أداء مهامهم الوظيفية بالشكل السليم، ويظل السؤال المدويّ (هل عندك واسطة) هو الشبح المرعب الذي لا يفارق مخيلة كل خريج وكل صاحب كفاءة في مجتمعنا.