روح رمضان والحفاظ على النعم

كل يوم تشرق فيه الشمس، يجلب معه أنباء مؤسفة عن ظهور شبح المجاعة، والمزيد من وفيات أعداد هائلة من البشر الذين يتضورون جوعاً أغلبهم من الأطفال، وفي أنحاء مختلفة من العالم أغلبها يقع في الدول المتاخمة للوطن العربي. وكأنّ المجاعة بهذه الطريقة تضع حدّا فاصلاً بين دول يموت سكانها من التخمة وأمراض السمنة وأخرى تلتصق جلودهم بأجسادهم النحيلة حتى يهلكوا، وكان بالإمكان إنقاذهم بما زاد عن الحاجة.
ندرك أنّ المعادلة الإنسانية مختلة تماماً خاصة عند مطالعتنا للتقارير المتواصلة الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي تحكي عن حجم الكارثة. وحسب وكالات الأمم المتحدة فإنّ الطعام المهدر في العالم يُقدّر حالياً بـ1.3 مليار طن سنوياً، بما يزيد على أربعة أضعاف الكمية المطلوبة لحل أزمة الجوع في العالم.
على المستوى المحلي، حرّك الإحساس بهذه المشكلة وازعاً دينياً وإنسانياً معاً، فقد تبنت أمانات المناطق بعدد من المدن السعودية المشروع الخيري تحت اسم «الحفاظ على النعم»، وهو مشروع يهدف إلى جمع بقايا الأطعمة المتبقية من ولائم المناسبات بفرز بقايا الأطعمة عن النفايات بوضع كلٍّ في المكان المخصص له. هذا عمل ضخم ولكن كان بالإمكان قبل أن يعهد به إلى جهة مختصة تديره، أن تكون هناك توعية مجتمعية على قدر عالٍ من المسؤولية تنوه إلى ذم التبذير في المناسبات، لأنّ هذه الجهات بهذه الطريقة تقوم بمعالجة الأخطاء نيابة عن الأفراد والمجتمع بدلاً عن تمليكهم الوسيلة لعدم الوقوع في الخطأ من الأساس. وفي ذلك إهدار إضافي للأموال والطاقات لمعالجة الأزمات المتفاقمة بدلاً من الوقاية.
إنّ روح رمضان فرصة ذهبية بالنظر إلى فلسفة تشريع الصيام كتزكية للنفس وإحساس المسلم بحاجة أخيه وجوعه وفقره، فيقوم بمد يد العون له. وهذا التعامل من المفترض أن يكون طيلة العام ولكن باعتبار رمضان شهراً للطاعات فما يتواءم مع هذا الشهر الفضيل هو العمل على إعادة ترتيب منظومة التعامل الإنساني وعلاقة الإنسان بربه وأخيه الإنسان، وليس بالتناقض بين ما تفرضه روح الإسلام وما يواصل فيه الناس من سلوكيات سالبة.
كثيرٌ من المفارقات تنطوي على هذه المواقف اللامسؤولة وانعدام الوعي تجاه المنتجات الغذائية والإسراف فيها. المفارقة الأولى أنّ هذا الإهدار يتم بشكل أكبر في مجتمعاتنا المسلمة والتي ينهى فيها ديننا الحنيف عن الإسراف والتبذير على عكس المجتمعات الأخرى التي تحترم المال كقيمة فلا تهدر ما تنتجه. والمفارقة الأخرى أنّ هذا الإهدار يتم عن طريق المستهلك والذي من المفترض أن يقف في وجه جشع شركات الأغذية والتجار، بتقنين عملية الشراء وفقاً للحاجة وليس تبعاً لما تقدمه هذه الشركات من إغراءات وإعلانات ليست لأي هدف آخر سوى الربح.
يمثل إهدار الطعام عبئاً أخلاقياً واقتصادياً واجتماعياً وصحياً، وكل قسم من هذه الأقسام ينطوي على تشعبات خطيرة قد لا يستوعبها من يتصرف إزاء الطعام بهذه الطريقة بشكل مباشر. أغلب من يهدرون الأطعمة يتجاهلون أو يجهلون آثار تصرفاتهم على بلدانهم ابتداء من أثرها المباشر بتراكم الفضلات أو التخلص منها لأنّه في حد ذاته يمثل مشكلة بيئية خطيرة تبدأ من سور الدار إلى الحي إلى البلد، وتمتد إلى أن تشمل التأثير على المناخ والتغيرات الناتجة من انبعاثات بقايا الأطعمة والفشل في معالجتها أو تدويرها بشكل كامل. هذا غير المشاكل الصحية الشخصية والاقتصادية التي تبدأ من الفرد إلى مجتمعه وبلده. ثم هناك الآثار الاجتماعية التي تصور الشخص بهذا الشكل الأناني المفتقر للقيم الأخلاقية والدينية بأنه يلقي طعامه في المزابل بينما هناك أناس يموتون من الجوع، وقد يكونون أقرب إليه مما يتصور.
جاءت تعاليم الإسلام بتخطيط استراتيجي لسياسة الأمن الغذائي من خلال الإنتاج وترشيد الاستهلاك، فلو اتبعناها لن تقبل إنسانيتنا بتحمل مثل هذا الواقع وترضاه، وحق لنا أن نلهج بطلب الرحمة والمغفرة المشتقة من اسمه تعالى.