الشعوب والحكام ومحمود المليجي!

(كلما أخطأ أحدهم ومدحني قائلا: لقد حققت معجزة، أنت حاكم عظيم! أصحح له على الفور: أنت تقصد أن شعب ماليزيا حقق معجزة، وأن شعب ماليزيا عظيم.
) - «مهاتير محمد».
من المريح حقا اقتناع الشعب بأن حكامه وحدهم يحملون على كواهلهم وزر هزائمه الحضارية، وأنهم سبب ما يحط من شأنه كالجهل والفقر والمرض والتخلف العلمي.
.
لأن الشعوب بذلك تبرئ ذممها من أي تقصير، وتحظى براحة الضمير، بعد أن جعلت من الحكام (شماعات) تعلق عليهم خيباتها التاريخية المزمنة.
ولا يظنن أحد أنني أريد تبرئة الحكام، واختصاص الشعوب بتوجيه إصبع الاتهام، فهناك حكام (كالقذافي وصدام) يمكن للواحد منهم منفردا تدمير قارة كاملة، لا دولة واحدة!لكنني أقصد معنى آخر لعله لا يغيب عن فطنتكم؛ وهو أننا نحن العرب قد استمرأنا لعبة إلقاء اللوم على القادة والزعماء، بينما نحن على (الكنبة) في دفء بيوتنا، أو في تكييفها البارد، حسب الأحوال، نشاهد الفضائيات، ونوبخ البنين والبنات، أو نجلس على المقاهي ساعات وساعات، نمتص رحيق التبغ من الأراجيل، ونتابع مباريات البرشا والريال، أو نلعب النرد والورق، بينما نحن نتحسر على حال الوطن الذي أودى به الزعيم، وهو نفس الحاكم الذي لا نغضب عليه غضبا حقيقيا إلا إذا بخل علينا بالمنح والعيديات.
.
!! أما إن منّ الله علينا بحاكم مخلص لديه مشروع للنهوض (وهذا يحدث أحيانا حتى في العالم العربي!) وطالبنا بالعمل معه يدا بيد لتحقيق مشروعه، والانعتاق بالوطن من وهدة العالم الثالث التي يتمرغ فيها منذ قرون (قبل أن يُخترع المصطلح أصلا) فإننا نتلكأ ونتريث ونراوغ ونماطل ونلتمس المبررات لمواصلة القعود على (الكنبة) أو على كرسي المقهى.
.
ولسان حالنا يقول: ما الذي يريده منا هذا؟ ألا يعرف أن الكسل أحلى من العسل، وأننا قد اعتدنا على نمط حياة رخي سهل لا نكلف فيه أنفسنا مشقة ولا عنتا، بل يذهب الواحد منا إلى عمله مغموما كالذاهب إلى طبيب الأسنان، ويخرج منه بأسرع ما يستطيع كالمفرج عنه من السجن بعد عقدين من الأشغال الشاقة! أما خلال ساعات الدوام الوظيفي، فإننا نطيل تناول الإفطار وشرب الشاي والقهوة، والثرثرة مع الزملاء والزميلات، والتحدث في الهواتف، ومتابعة تويتر والفيس بوك، ثم نُهرع لصلاة الجماعة، بعد وضوء متأنٍ، وتلاوة ما تيسر من الذكر الحكيم.
.
قبل أن نعود لمكاتبنا وقلوبنا معلقة بالساعة، نرجوها أن تسرع بلحظة الإفراج!أما الإنتاج، فإنه منوط بالحاكم وحده، فعليه هو أن يحمل المسؤولية كاملة، أليس هو الزعيم؟ولحسن حظنا، فإن لدينا مهربا آخر من الإحساس بوخز الضمير، وبالتسبب بكسلنا وقعودنا في تخلفنا المقيم، فما أسرع أن نتهم (أعداءنا) بالعمل على إبقائنا متخلفين، وكأن بمقدورهم أن يمنعونا من العمل الدؤوب والابتكار والإبداع ووفرة الإنتاج إن نحن شئنا ذلك!وقائمة الأعداء طويلة وتتصدرها إسرائيل بالطبع، لكن خيالنا الواسع، وانغماسنا في الإيمان بنظرية المؤامرة، يتيح لنا المرونة الكافية لإضافة أي اسم نشاء لقائمة الأعداء، حتى إننا قد نصل يوما لاتهام الممثل المصري الشهير بلعب أدوار الشر، محمود المليجي، بأنه هو الذي ينسج لنا بصلاته الإجرامية الواسعة، وبالشر الذي يفيض من عينيه، شبكة المؤامرات التي تمنعنا من العمل لنرقى بأوطاننا!إننا – في معظم الأحوال - نتشدق بالوطنية شعارا لا أكثر، بينما نحن لا نعرف عن الوطنية شيئا، ونحب أن نظل كذلك جاهلين بها، لأننا اخترنا كسلنا وطنا لنا.
لكننا نحب أن نخفي تلك الحقيقة الصارخة وراء اتهام الحاكم، واتهام الأعداء، بينما نحن أصل الحكاية.
.
.
خلاصة القول يا بني أمتي: إن لم نصلح أحوالنا بعرق جباهنا، فلن يصلحنا حاكم مهما كان مخلصا مقداما، وإن نحن انكببنا على أعمالنا نتقنها ونرتقي بها وبأنفسنا، فسيعجز الشيطان نفسه عن الوقوف في طريقنا.
نحن الشعوب العربية، نحن الداء والدواء.