الرأي.. والرأي نفسه
الخميس، ٢٣ يناير ٢٠١٤في عام ١٤٥٣م وبينما كان الجيش العثماني بقيادة السلطان محمد الفاتح يضيق حصاره على مدينة القسطنطينية (إسطنبول حالياً)، كان البيزنطيون
داخل المدينة يمارسون جدلاً تكفيرياً قسمهم إلى فريقين في وقت كانوا في أشد الحاجة إلى توحدهم، وانتهى الحصار كما هو معروف بسقوط المدينة
ذات الألف ومائة عام في معركة أبهر فيها العثمانيون العالم.
من هنا جاءت تسمية الجدل العقيم الذي لا يؤدي إلى نتيجة بالجدل البيزنطي، فالجدل إذاً هو نوع من النقاش عادة ما يكون هدفه إقناع الآخر بصحة
فكرتك وقد يصاحبه أحياناً تعصب للرأي، وليس اثنين يستمع كل منهما للآخر حتى يصلا إلى نتيجة منطقية، وقد يكون الجدل محموداً في بعض الأحوال
كأن يكون للدفاع عن حق مثلاً ولكنه عادة ما يأخذ مساراً آخر.
تخيل نفسك الآن وقد بدأت النقاش مع شخص ما حول ما يجري في إحدى دول الربيع العربي هذه الأيام، وقد اكتشفت أن وجهة نظره مختلفة تماماً عن
رأيك، فماذا ستكون ردة فعلك؟ البعض هنا يبدأ في كيل الاتهامات وتسفيه الرأي في كلمات مثل (أنت لا تفقه شيئا، إيش فهمك، أنت، أنت)، بينما
الخطوة الأولى الصحيحة هي أن تحافظ على هدوئك وعلى نبرة صوتك، فتشرح الأسباب التي أدت إلى الاستنتاج الذي توصلت إليه بمنطقية مجردة،
وحبذا لو صاحب ذلك ابتسامة هادئة، ثم تستمع له بكل اهتمام وبدون مقاطعة، وعطفاً على ذلك إما أن تقتنع برأيه أو يقتنع برأيك، وعند الوصول لنقطة
تبدأ فيها إعادة ما تم قوله سلفاً فلا بد من الوقوف لأن تجاوزها والاستمرار في الجدل وتحقير الآخر يعتبر مراءً، كما جاء في قول رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً).
دعونا الآن نشاهد أحد البرامج الحوارية التي تعرض الآراء المعاكسة في إحدى قنوات الأخبار، فماذا تتوقع أن تشاهد، في بداية الحلقة قد يبدأ الحوار
هادئا ومن ثم تبدأ جولات صراع الديكة ما بين صراخ وانفعال وتهديد وتسفيه للرأي الآخر والشخص الآخر، وقد يصل الأمر إلى التقاذف بالكراسي، ومن
الغريب أن الشخصين يتكلمان في نفس الوقت بدون أن يصغي أحدهما للآخر، وكأنهما يتحدثان بلغتين مختلفتين، ومثل هذه الحوارات من الممكن أن
تتعلم منها ما يجب عليك أن لا تفعله لأنها تنتهي عادة بتشبث كل برأيه
والحاجة إلى أبجديات النقاش ضرورية في الحياة اليومية، يحتاجها الشخص في نقاشه مع زوجته وأبنائه (وإن بدا ذلك مستحيلاً) كما يكون ضرورياً في
إنجاز المعاملات التجارية والعلمية، لذلك لا بد من محاولة تطوير قدرات ممارسته، وفي المرة القادمة عندما يشتد النقاش وتجد أن صوتك بدأ يعلو، وأن
دقات قلبك تتسارع اسأل نفسك: هل من الممكن أن تكون لي جذور بيزنطية؟