ماذا يريدون من السيسي؟

كنت قد أشرت في مقالي السابق إلى أنني سوف أعرض بعضاً من التحليلات والمقترحات التي خَلُص إليها مركز الإمارات للسياسات في ورشة العمل «المغلقة» في أبوظبي التي كانت حول «مصر: الواقع الراهن واستشراف التحولات المستقبلية».
لعل أبرز التحليلات التي اتفق عليها المجتمعون من الجانب المصري والخليجي أن مصر إذا استمرت في التقوقع على ذاتها وتراجع دورها الإقليمي فإنه من المرجح أن تنتهي إلى معاناة المأزق نفسه الذي عانته في أواخر حكم مبارك وفترة مرسي. لكن إذا استعادت مصر دورها الإقليمي الحقيقي فإن ذلك بدوره سوف يقوم بتخفيف العبء على كاهل الدولة المصرية في الداخل. إذ إن تمكن الرئيس السيسي من تحقيق إنجاز اقتصادي وأمني ملموس سوف يمكنه بالتأكيد من التأثير في سير عمل الحكومة والبرلمان، مما يؤدي إلى استقرار دستوري سياسي. في حين أن الإخفاق في تحقيق الإنجازات سالفة الذكر سيؤدي إلى انخفاض سريع في شعبية الرئيس. حيث يمثل العامل الاقتصادي وإحساس المواطن بعوائد التنمية الغاية النهائية من كل النشاط السياسي والاقتصادي.
ما يتخوف منه الخليجيون في المرحلة الحالية هو دخول الدولة المصرية من جديد في مرحلة انتقالية متأزمة وطويلة نتيجة اشتداد موجات الإرهاب والعنف مما سيؤدي إلى تزايد حجم التحديات وتشديد السياسات الأمنية في مقابل أوجه النشاط السياسي والتنموي. وبالتالي اندلاع ثورة ثالثة وفق منطق الثورة المستمرة من منظور أن الحراك الذي اندلع في بداية 2011 لم تتحقق مطالبه بعد.
التحالف الخليجي المصري يأتي بالتأكيد في ظل ازدياد جسامة التهديدات الإقليمية بدرجة تهدد وجود أي من الطرفين الخليجي والمصري وهذا يتطلب صياغة رؤية لمستقبل الإقليم، تتضمن تقارباً وتجانساً في المصالح الإقليمية متوسطة وبعيدة المدى. من خلال تطوير نظام للدفاع المشترك، يتضمن تنسيقاً عسكرياً وثيقا وقيادة عليا مشتركة وصياغة أنظمة قتالية مشتركة تضمن للطرفين دعماً أكيداً في حال مواجهة أي تهديدات إقليمية، وهذه النقطة كانت إحدى التوصيات المهمة التي خرجت بها الورقة الختامية لورش العمل المغلقة.
في تصوري أن دول الخليج الداعمة لمصر تريد من الرئيس السيسي أن يعرف مكانة مصر الحقيقية، وأن يتمكن من استثمارها وأن يقودها في الاتجاه الصحيح الذي من شأنه تعزيز هذه المكانة وتثبيتها في موقع القرار والمبادرات. وهذا لن يتم ما لم تسع مصر بقيادتها الجديدة في أن تعيد للجامعة العربية دورها الحقيقي مع حلفائها الداعمين، وأن تصبح عنصراً فعالا فيها تتعدى حالة الغلبة والهيمنة المفروضة من قبل دول ساهمت في إضعاف دور الجامعة وإخراجها تماماً عن أي دور تفاعلي مع القضايا الحساسة التي اتضح أنها تسير وفق مخططات تآمرية تهدف لتقسيم المنطقة وإعادة تموضعها وترتيبها وفق اعتبارات ضيقة طائفية أو عرقية أو مناطقية.