مقدّمات لا محيد عنها لفهم مآلات الربيع العربي

«إلى أي مدى كانت الطبيعة الغامضة للثورات قد استمدت غموضها من ذلك الالتباس الكامن في عقول الذين قاموا بها»، هذا ما ذكرته حنّة أرندت في كتابها «في الثورة» الذي تتحدث فيه عن الثورات بشكل مجمل كأنما كتبته في سياق تغطية إخبارية وهي تغطي أحداث الربيع العربي!
ليس جديدا عندما يقال أن الأنظمة الجمهورية التي سقطت قد فقدت شرعيتها الدستورية والأخلاقية وحتى الإنسانية، لذا جاءت أحداث الثورات العربية كنوبة غضب تفجرت في وجه النظام السياسي العربي، لكن بمجرد الإفاقة من هذه النوبة بدأت الأولويات تتقافز مكونة هذا الغموض الذي أشارت إليه أرندت.
فظهرت تساؤلات بعضها ظل عالقا منذ تأسيس الدولة العربية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي، والبعض الآخر كان عالقا منذ مئات السنين.
بداية ليس عيبا أن يقال إن الثورات العربية قامت بسبب عامل اقتصادي ولأن البطالة والفقر دفعت الشباب للثورة بوجه الأنظمة ولم يسبق ذلك ثورة فكرية. فحتى الثورة الفرنسية قامت بسبب عامل اقتصادي، يقول ديوراينت:»ولقد اندلعت الثورة الفرنسية لا بسبب ما كتبه فولتير من انتقاد لاذع ولا بتأثير روايات روسو العاطفية، بل لأن الطبقة المتوسطة توصلت إلى التحكم بالاقتصاد فاحتاجت إلى الحرية القضائية لتنفيذ مشاريعها والحصول على ما افتقرت إليه من موافقة اجتماعية وقوة سياسية تغطيها»، ويقول أيضا: «قامت الثورة على أكتاف فقراء بلاد الغال الألبينيين الذين تمردوا على الفرنكيين التوتون».
المقدمة الأخرى هي أن الشعب العربي ثار في ظل نظام أخلاقي تبلور في ظل الاستبداد، وهذا النظام الأخلاقي يقوم على الرشوة والخيانة والنصب والاحتيال والتملق وكافة أشكال العهر الأخلاقي التي تصبح وسيلة ناجعة للحصول على امتيازات داخل النظام السياسي العربي سابقا، وإذا لم يتم تدشين نظام أخلاقي جديد يحمل القيم السامية فالذي سيحصل هو زوال طبقة فاسدة ومجيء فاسدة أخرى!
مقدمة أخرى: الديمقراطية ليست صندوق أغلبية حل محل التغلب بالقوة، فتأسيس قواعد اللعبة الديمقراطية له شروط صعبة جدا، أهمها الإجماع الوطني وهذا ليس هينا بطبيعة الحال؛ فهو يشمل إجماعا على مرجعية الدولة وإجماعا على النظرية السياسية وإيمانا تاما بها، فقد يأتي مثلا أحد المنتمين للأحزاب الدينية ويظهر الإيمان بقواعد اللعبة الديمقراطية وهو في داخله مؤمن بأجندة ضيقة ويسعى لفرضها قسرا على الجميع. ففي أوروبا صحيح أن هناك تعددية سياسية وفكرية، فهناك اشتراكي وليبرالي... لكن لا أحد يسعى لفرض ذلك على المجتمع وشكل ونظام الدولة وهذا باعتقادي أحد أهم قواعد الديمقراطية، فالحقوق العامة والحقوق الفردية والحريات غير خاضعة للتصويت أصلا وهي في مجملها تعود لمرجعية فكرية واحدة لا مجال للتعددية فيها.
مقدمة أخرى: المنطقة العربية منطقة نفوذ أجنبي، وهذا ليس سرا، ووجود إسرائيل (قاعدة الغرب في الشرق الأوسط) كما قال عنها المفكر عبدالوهاب المسيري يجعل الدول الغربية وفي مقدمتها أمريكا تحاول دائما استثمار أي حراك لصالح إسرائيل وأمنها ولمصالحها الإمبريالية كذلك، فأمريكا سلّمت العراق إلى قوى دينية شيعية متخلفة ومتطرفة حولت العراق الوطني إلى حديقة خلفية لإيران، وخلقت صراعا إثنيا يوشك على الانفجار بين الطاجيك والباشتون في أفغانستان، ومنعت تسليح ثوار سوريا وغضت الطرف بالمقابل عن تدفق الأسلحة على نظام بشار، واخترقت القاعدة ووجهت عملياتها لخلق الصراع في المجتمع العربي، كل هذا يمثل عنوان سياستها الخارجية والذي يعتمد على مبدأ خلق التوازن بين قوى المنطقة وهو بالأصح خلق كانتونات طائفية وإثنية متنافرة ومتصارعة من أجل تحقيق نفوذها دون كلفة، بالتالي أي ارتهان لولاءات أولية ضيقة هو خدمة مقدمة للمشروع الإمبريالي الأمريكي.
مقدمة أخيرة: وربما هي أهم محور، وهي أن العرب هم مادة الإسلام وظهر العرب على الساحة كأمة وحضارة بعد ظهور الإسلام، وأي مشروع فكري يقوم على القطيعة لا على التوافق هو مشروع يسهم في خلق صراع مديد لا طائل منه وقد تستخدم أدوات غير مشروعة لحسم هذا الصراع، نعم الجميع ضد الدولة الثيوقراطية لكن الإسلام أكثر من مجرد دين.