الوعي والتطور الالكتروني أسقطا التابوهات

«التابوهات» وما في حكمها من أعراف تتعلق بالقيم والثوابت تدخل في سياق المحرمات، ليست مسألة ثابتة وإنما متغيرة بحسب التطور الاجتماعي، وكلما ارتفعت معدلات الوعي انتفت أو تلاشت فكرة التعامل برهبة مع ما هو محرم، لأن الوعي وحده كفيل بوضع الخطوط الفاصلة، من بين تلك التابوهات يمكن التساؤل حول مصير التابو السياسي في ظل الثورات وانتشار الوسائط التقنية

هل سقط الدخول في التفاصيل السياسية من ذاكرة النهي والمنع الاجتماعية؟ غالب المجتمعات أصبحت تتنفس سياسة وبالتالي لا يمكن إقصاؤها بوضعها في خانة المحرم، فهل يمتد الوعي إلى الدين والجنس بحيث يتم الحديث والجدل بصورة علمية هادفة وموضوعية؟في البداية يرفض الناقد سمير الضامر سقوط التابو السياسي ويقول: التابو السياسي لا يهزم، ربما ينكسر، أو ينكشف، لكن هزيمته صعبة جدا، خاصة إذا أدركنا أن السياسي يرى أن وجود التابوهات هو صمام أمان له، وهي تمثل لديه معركة حياة، وإذا لم يكن موجودا فعليَّ وعلى أعدائي، كما في أدبيات الشعر العربي وإذا مت ظمآنا فلا نزل القطر، فالسياسي ميكافيلي الرؤية، لا يتوانى في البطش، والثقافي مثالي الرؤية، لا يملك غير الكلام والكتابة، وكلاهما يبعد الإثنين عن بعضهما، لكن مع ذلك فإن ثلاثية التابو في طريقها إلى التلاشي، والخروج عن منظومة المحرم، ولا أدل على ذلك من إرهاصات الواقع المعاصر المعزز بأشكال التكنولوجيا والانفتاح الرقمي، وواقعية الثورات العربية
فيما يرى الناقد والشاعر السوري يوسف شغري أن التابوهات (المحرمات) الثلاثة الشهيرة: الدين والسياسة والجنس قد اخترقت ليس بتأثير ما سمي بالثورات العربية أو «الربيع العربي» بل بسبب التطور التكنولوجي وعلى الخصوص شبكة الانترنت وتطور الأجهزة الالكترونية الحديثة وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي التي دفعت بها مبتكرات ومصانع اقتصادات المرحلة العليا من الرأسمالية العالمية التي لا يهمها غير الربح، كل ذلك جعل العالم كما هو معروف قرية صغيرة
و صارت أجهزة الرقابة في الدول غير قادرة على السيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي وأدى ذلك إلى أن كل فرد في العالم صار محطة بث وإبداء رأي وتلقي المعلومات مهما كان متقدما أو متخلفا، وتحرك الشعوب باتجاه الحرية والتحرر من الاستبداد السياسي والاضطهاد الاقتصادي وسلب حقوق الإنسان في الدول التابعة إلى المراكز الاقتصادية الكبرى صار سمة عامة، فليس تحرك الشعوب العربية فريدا في العالم فقد حدث تحرك مشابه في أمريكا اللاتينية وأوروبا نفسها، و قد جرى مثلا خرق محرم الجنس في النصوص الأدبية وخاصة في الرواية التي يمكن أن تتجاوز الاأيروتيكة إلى نصوص تصل إلى حد البورنو كما في بعض الروايات المترجمة مثل رواية «إحدى عشر دقيقة» ومثل رواية سلوى النعيمي «برهان العسل»، وبقي النشر في المحرم السياسي ربما أقل من المحرم السابق لأن مصالح اقتصادية للدول المؤثرة في العالم كأمريكا وروسيا وأوروبا والصين كان من الممكن أن تتضرر، و لذلك تم الالتفاف على تحرك الجماهير العربية و إجهاض التحرك باتجاه الحرية وقدم الخيار العجيب لهذه الشعوب «هل تريدون السيئ أم تريدون الأسوأ»، و ربما كان إجهاض الثورات العربية لمصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى في ظل انحطاط عام لدى الدول الكبرى بإلغاء الضمير الإنساني لمصلحة مصالح ضيقة للمراحل العليا من الرأسمالية المتوحشة التي لا تعرف ولا تعترف بغير مصالحها، والنتيجة ليست الثورات العربية بل الثورات نفسها نتيجة من نتائج هذا التطور
وبوسطية يقول الناقد والقاص محمد البشير: ربما كانت خلخلة التابو قبل الثورات العربية، وذلك بإحدى ثلاثياته (الجنس)، وتخلخل الضلع الثاني قبل الثورات، فكان عاملا لها، وتحقق بعدها، وإن لم يكن بوعي يصل مستوى سبر التابو لا ملامسته؛ لغرض التجديف والتهويم
لا تزال الشجرة في فصل الخريف تساقط ما يبس من أوراقها، والخريف فصل كئيب لا خضار فيه، ولا رجاء إلا بتجاوز الفصل، والانتقال لدورة طبيعية نصل بها لربيع أخضر لا حرب فيه ولا دماء، ولا خشية فيه لملامسة تابو، ولا تجاوز حد الإسفاف والسقوط في وحل التجديف باسم كسر التابو
فيما يرى الكاتب السينمائي مأمون الشرع أن ما يحدث من ربيع عربي يرجع إلى: طغيان الأنظمة الشمولية، ودور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في نقل ما يحدث بالكلمة والصورة، إذ لم يعد الأمر حكرا على إعلام النظام، بالإضافة لموروث ثقافي حمل على عاتقه نقد هذه الأنظمة وقول كلمة حق أمام سلطان جائر، مضيفا «باعتقادي أن الثقافة والأدب والفن خاصةـ لطالما لجأت إلى التصدي لمثل هذه الأنظمة، لكنها تعتمد على الإيحاء والتلميح والخيال والصورة الفنية، وتبتعد عن المباشرة والخطابية التي يتميز بهما الخطاب السياسي، وفي ذلك ميزة، وما يحدث الآن هو فرصة لتجلي الفكر الحر، ولكسر طوق اعتبر على مدى السنين من المحرمات، وقد دفع كثير من المثقفين حياتهم ثمنا لكسر هذا التابو، وسيكون للثقافة الحرة الحقيقية دورها في إعادة بناء الإنسان والمجتمع
وقد يحتاج الأمر زمنا كي ينضج ويعطي ثمره
لا سيما أمام أنظمة اتكأت على البطش، مدعومة من إعلام وثقافة ناطقة باسمها معادية لكل من يخالفها