التكنولوجيا الطبية وصناعة المشكلة

من المعروف أن التقدم التكنولوجي السريع الذي يعيشه العالم منذ أكثر من خمسة عقود أدى إلى إيجاد حلول لعدد كبير من المشاكل الإنسانية، وساعد بشكل مؤثر في إيجاد تطبيق واقعي للنظريات العلمية في حياة البشر، لكن ما أصبح مستغربا أن يكون هذا التقدم التكنولوجي، خاصة في مجال الطب، هو صانع المشكلة في عدد كبير من دول العالم، فرغم إيجاد حلول لعدد من المشاكل الطبية المزمنة، ظهرت على السطح عدة مشاكل ارتبطت بالتقدم التكنولوجي، خاصة في مجال أجهزة الإنعاش الصناعي والأدوية المساعدة على استمرار الحياة البيولوجية، على الرغم من استحالة مواصلة الإنسان لحياته الطبيعية بعد ذلك.
وفي حين كانت المشكلة التي تواجه الطبيب هي كيفية إخبار المريض وأهله بحالته الميؤوس منها وانقسام العالم إلى مدرستين في ذلك، فإن هذه التكنولوجيا قد صعبت المشكلة بأن استطاعت الإبقاء على حياة المريض بشكل بيولوجي فقط، رغم اليأس الطبي من عودته لحياته الطبيعية بمقاييس بشرية بحتة، والله عز وجل قادر على كل شيء، وبدلا من أن تصبح المشكلة كيفية مصارحة المريض وأهله بحقيقة مرضه الميؤوس منه، أثار هذا التقدم عددا من الأسئلة والمشاكل الأخرى، يأتي على رأسها خاصة في الدول الغربية «بعكس الدول الإسلامية»: هل يجب أن نعالج الإنسان المحتضر الذي يعاني آلاما شديدة؟ هل العلاج الميؤوس منه والذي لا يقدم سوى إبقاء نظري للحياة دون وجود واقع ملموس للحياة الطبيعية، هل هذا العلاج مقدم على إحساس بالألم المبرح وإطالة فترة المعاناة؟
في الولايات المتحدة أقام والد الفتاة الأمريكية «كارين كويثلن» دعوى أمام المحاكم يطلب فيها أن تسمح المحكمة للمستشفى بنزع أجهزة الإنعاش الصناعي التي تبقي ابنته على قيد الحياة البيولوجية، رغم توقف المخ عن أداء وظيفته، وذلك بعد أن أعلن الأطباء أن كارين (21 سنة) تعتبر من الناحية الطبية ميتة، وليس هناك مجال لاستعادة وعيها، وهكذا أسهم التقدم التكنولوجي في صناعة مشاكل جديدة رغم مساعدته في حل مشاكل أخرى، ليبقى الصراع مستمرا مهما بذل الإنسان من جهد.