ابن الشيخ الذي أصبح عبدا
السبت، ٢٨ يونيو ٢٠١٤
(زوربه) أحد أولئك الذين حددوا أهدافهم في هذه الحياة بدقة، ثم تحملوا الأهوال حتى يصلوا إليها، فوالده كان كبير علماء الدين في القرية التي ولد ونشأ فيها «أصبهان» إيران، وحينما علم والده عن هدفه، قيده من قدميه بالحديد وحبسه في البيت ليمنعه من الخروج، يقول زوربه: «كنت أحب خلق الله إلى والدي، حتى علم بهدفي فحبسني في البيت كما تحبس الجارية، فكسرت القيد وهربت في رحلة طويلة باتجاه دمشق».
في دمشق عمِل (زوربه) خادماً لدى أحد القساوسة، ولكنه رأى أن هذا القس يسرق صدقات الفقراء، وظل يعمل لديه إلى أن توفيّ فأخبر كبار القساوسة عن مكان الذهب والفضة التي كان يخبئها القس، فعمل بعدها لدى القس الجديد أعواما أخرى، وحينما اقترب أجل القس سأله زوربه بماذا توصيني أن أعمل بعدك؟ فأوصاه أن يغادر إلى قس آخر في (الموصل) بالعراق، فذهب إليه وأقام معه سنوات، إلى أن توفيّ، وظل يتنقل من بلد إلى آخر، ومن قس إلى آخر إلى أن نصحه آخر من عمل لديه وقال له: «قد أظلك زمان نبي وهو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق فافعل».
اتفق زوربه مع تجار متجهين إلى جزيرة العرب أن يأخذوه معهم مقابل بقراته وغنمه، فأخذوها منه ولكنهم حينما وصلوا باعوه «عبداً» على يهوديّ، ثم باعه اليهودي بعد أعوام على آخر من بني قريظة في المدينة المنورة، فارتضى على نفسه كل ذلك وهو ابن شيخٍ في قومه، أن تُقيد قدماه ويحبس ويهرب ويعمل خادماً في الكنائس والمدن ثم يصبح عبداً أسيراً حتى يحقق هدفه، وهو الوصول لدين الله الحق وللنبي المرسل منه.
وحين رأى «المهاجر زوربه» الرجل الذي ظل يبحث عنه وعن دينه لسنوات - صلى الله عليه وسلـم - ارتمى عليه يقبله ويقص عليه القصص، ثم أُعتق وأصبح أحد أهم الصحابة رضوان الله عليهم، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يلقبه بـ»لقمان الحكيم»، وسئل عنه بعد موته فقال: «من لكم بمثل لقمان الحكيم؟ أوتي العلم الأول والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر، وكان بحرا لا ينزف».
وحينما أقام زوربه أو «سلمان» - كما يطلق عليه بعد إسلامه - مع أبي الدرداء أياما في دار واحدة، كان أبو الدرداء يقوم الليل ويصوم النهار. فحاول سلمان أن يثنيه عن صومه هذا، فقال له أبو الدرداء: أتمنعني أن أصوم لربي وأصلي له؟ فأجاب سلمان: «إن لعينيك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا. صم وافطر، وصلّ ونم. فبلغ ذلك الرسول فقال: (لقد أُشبِعَ سلمان علما)».
إنها قصة نجاح (زوربه) سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه، الذي قال فيه رسول الله صـلى الله عليه وسلم: (سلمان منا أهل البيت)، بطل قصة «غزوة الخندق» التي كافأ الله صاحبها بأن ارتبطت قصة نجاحه بقصة نجاح أمة.
ويبقى العنوان الكبير لقصة نجاح هذا الصحابي الجليل، «إذا عرفت هدفك، فالزمه مهما كلفك الأمر، ففي الأخير ستصل».
وكل عام وأنتم بخير.