تقدم الطب وغربة الأطباء

أعتقد أن جيلنا من الأطباء في كل أنحاء العالم كان محظوظا بأنه آخر الأجيال التي تربت على علاقة الانتماء بين الطبيب ومرضاه، فأساتذتنا في كليات الطب العربية والعالمية كانوا جيلا متميزا، اعتمد بشكل رئيسي على ما يسمى بالحدس أو الحس الطبي الذي كان أساس تشخيص الأمراض، اعتمادا علي خبرة شخصية عميقة وعلاقة وطيدة مع المريض تبنى في أساسها على أسس إنسانية متكاملة، ونقل هذا الجيل الرائع هذه الخبرات إلينا كآخر الأجيال التي شهدت انتهاء منظومة من التعليم الطبي، لتبدأ منظومة أخرى تعتمد على تقدم تكنولوجي مذهل، تحولنا نحن الأطباء إلى متخصصين في الأجهزة التكنولوجية والبرامج الطبية، مما حول العلاقة الإنسانية بين الطبيب ومرضاه إلى نوع من العلاقة الالكترونية التي فيها المرضى في غالبية دول العالم ومجتمعاته إلى أرقام وملفات وإحصائيات خصمت الكثير من العلاقة الإنسانية بين الطبيب ومرضاه وبدلا من أن تعزز من سلطة الطبيب الإنسانية والأبوية على مرضاه، باعدت بينهما نتيجة انفتاح التطورات العلمية على كل البشر، ومتابعة المرضى لكل الاكتشافات والمعلومات العلمية والطبية بشكل خاص بعد تصدرها الإعلام الجماهيري بكل الوسائل المكتوبة والمرئية والمسموعة، وتداخل في تلك العلاقة التي كانت وطيدة فئات كثيرة من المجتمع اهتموا بهذا المجال، وكانوا خصما من تلك العلاقة وليس إضافة لها كرجال الدين والفلاسفة وعلماء الاجتماع والمفكرين والصحفيين والإعلاميين مما عقد من كثير من المشاكل الأخلاقية والإنسانية في تلك العلاقة، وجعل حلها ليس بيد الطبيب أو المريض وحدهما، وتعقدت الحلول ولم يعد هناك حل متفق عليه في أية مشكلة وكانت النتيجة الكبرى، تغرب الأطباء عن مرضاهم «وطنهم الحقيقي».