مشعل النيران لن يطفئها
الجمعة، ٢٧ يونيو ٢٠١٤
تفكروا معي في هذا المخلوق العجيب العظيم، الذي يولد بحجم الشرارة، ثم لا يلبث أن يلتهم الحياة من حولنا بقسوة وإصرار لا يلين، محيلاً الأجسام الضخمة إلى هباء.
النار، ذلك الاكتشاف البشري، الذي تحصل بعد مراقبة تفريغ عشق سحابة أو نيزك للأرض فخلف جذوة، أتت على ما في محيطها.
وكم هي عجيبة، لو أدركنا عظمتها، ولذلك فقد عبدتها بعض الشعوب، التي لم تستطع فهم تعقيد معادلتها.
وهي نقمة، فمن شبت في حياته يوماً فسيحيط بمقدار قسوتها، وكيف أنها تستطيع أن تهدم كل ما أحبه، أو صنعه، أو اقتناه!.
ورغم فوائدها فإن لها من الأضرار ما يعدل ذلك ويزيد.
وهي لم تعد تنشأ فقط من البرق، ولا من ملامسة أشعة الشمس للقش والعهن، ولا من احتكاك الأجسام الصلبة بالأكثر منها خشونة، بل إنها أصبحت تحدث من تفاعل بعض المواد الكيميائية الحارقة، وربما من تيار الكهرباء، المتمرد على إطار السلك الحافظ له.
وقد تفنن الإنسان في كيفية إشعال النار، ولو من السوائل.
البعض تولعوا بها، فأصبحت لعبة شغف لا يملونها، فهم يعشقون كيف تحيل العظيم إلى رماد، ويظلون يلاعبونها، مهما لسعتهم، ومهما خرجت عن سيطرتهم، ومهما خلفت في قلوبهم من الحروق، فالعشق هنا عصي على فهم الآخرين.
ما تبنيه البشرية في عصور طويلة، تستطيع بشعلة متذبذبة أن تنهيه، مهما بلغ من الإتقان، والجودة، والمتانة.
(نيرون)، أحرق مدينة روما سنة 64م، حين راوده حلم إعادة بنائها من جديد، والملك يوسف ذو النواس الحميري قام بحرق سكان مدينة الأخدود في نجران قبل أكثر من ستة عشر قرنا عقاباً لهم على إيمانهم بالله.
ولم تخل حضارة ولا عصر من العصور من حريق عظيم مشهود قلب الموازين، وغير مجرى التاريخ فيها، وأدى إلى إعادة بناء المدن من الصفر، فكان لمدينة لندن حريقان تاريخيان شهيران 1212م-1666م، وكان لمدينة (شيكاجو) 1871م حريق طاغي، متزامن مع حريق (بيتشيجو ويسكنسن) الأمريكية. وكان لمدينة (بوسطن) حريق جذري 1872م، وحصل حريق (سان فرانسسكو) 1906م، وحريق مدينة (هاليفاكس نوفا سكوتيا) في كندا 1917م، وحريق مدينة (طوكيو) اليابانية 1923م، وحريق مدينة (تكساس) 1947م.
ويحدث في نسيج مملكتنا الغالية الكثير من الحرائق، حتى إن قصور الدفاع المدني بات جلياً لكثرة ما يحدث من حرائق، ولصعوبة الكشف عن أسبابها، والتي تحتاج لخبراء ضليعين، ولوقت كافٍ، ومختبرات جنائية قادرة متمكنة، لمنع التكرار.
وكثير من هذه الحرائق تحدث بأسباب إهمال، أو بأسباب الطقس، وربما بدواعي الجهل وقلة الوعي، ونقص المعلومة والتوعية.
ولكن المرعب وحسب التقرير، الذي نشر في صحيفة «مكة» العدد 147 أنه تم ضبط 487 حريقاً مفتعلاً في السعودية خلال عام 1433هـ!، حيث بلغ نصيب مدينة الرياض 122حريقاً، وتلتها عاصمتنا المقدسة بمجموع 88 حريقا، وتوزع الباقي على بقية مدننا الغالية!.
فكم من (نيرون)، يعيش بيننا، وكم من محاولة لطمس معالم جريمة.
النار هي المتهم الأفضل والأخرس، لذلك فكل من أراد إخفاء علامات إهماله، أو سرقته، أو جريمة رتب لها، فما عليه إلا أن يرمي عقب سيجارته في المكان المقصود، وإن كان أكثر خبثاً فما عليه إلا أن يستخدم سلك توصيلة كهربائيا قديما رثا، وأن يترك الباقي على النار.
ولو كان متقدماً في الدهاء الإجرامي، فعليه أن يطرق أبواب الكيمياء، أو أبواب التقنية، التي صارت تنفذ الأوامر بطرفة عين ومن خلف حجاب.
عشاق الحرائق يتكاثرون، ويتميزون في حرقنا، ومتعمدو الإهمال يزدادون، وكان يجب أن يقابل ذلك بتطور نوعي في إمكانات وتقنية الدفاع المدني، لنتخطى جملة (قضاء وقدر)، التي أصبح ثمنها غالياً على مقتنيات الوطن.
وتصوروا معي لو كنا فعلاً نكتشف كل حريق مفتعل، فهل ستكون إحصائياتنا منحصرة في هذا القدر فقط، أم إن الأعداد ستملأ المسيرات والرفوف، حتى يأتي من يحرقها!؟.