مسرحٌ في الظلمات!
الجمعة، ٢٧ يونيو ٢٠١٤
قال المخرج الأردني زكريا المومني في مهرجان الجنادرية المسرحي، الذي أقيم مؤخرا في الطائف «الحرس الوطني، هو الوحدة العسكرية الوحيدة في العالم التي تدعم الفعل المسرحي والثقافي بهذه القوة»، وقرت مقولته في قلبي، وأخذت أقلبها من تلك اللحظة، وعلى مدار أيام المهرجان حرصت ألا أغيب عن الفعاليات من الافتتاح إلى الختام، عدا مرة أبت ظروفي أن أحضر.
الفعل المسرحي السعودي، الذي اعترف بتفوقه أشقاؤنا العرب، ومنحوا شبابنا أرفع الجوائز على مستوى العروض والنصوص وأفضليات التمثيل وغيرها الكثير، وقفت له «وزارة الحرس الوطني» احتراما في الطائف، وقامت له «أرامكو» تبجيلا في الدمام، ويا للأسف وقد تنكرت له «وزارة الثقافة والإعلام، وجمعية الثقافة والفنون».
خشبة وفنانون وسينوجرافيا وصوت وضوء، هذا هو المسرح السعودي الذي لا يحتاج إلى مليارات، ولا حتى ملايين، ولا خطط خمسية ولا عشرية، بل يحتاج إلى إرادة والتفاتة صادقة محِبة، كما قال مبدعو المسرح في ليلة الختام بطريقة وعبارة مبكية «نريد مسرحا» كالتفاتة وزارة الحرس الوطني وأرامكو، اللتين علمتا واجبهما نحو الوطن والإبداع ورسالة المسرح، لكن لماذا الخذلان يا وزارة الثقافة؟.
عهدي بالتلفزيون السعودي ليلة الافتتاح، ولم أره بعدها في مسرح الطائف، وكأن رسالة المسرحيين يجب أن تبقى حبيسة جدرانهم، لا يجب أن تخرج وتجوب فضاء الوطن، تحمل صرختها وهمها وحرارتها إلى أذن كل مسؤول ومواطن لم تطأ قدماه قاعة المسرح، فما المانع أن يحضر التلفزيون ويسجل تلك العروض، ويبثها أنى شاء؟ ما المانع أن يخزنها مادة تستفيد منها الأجيال ولو بعد حين، في برامج «حدث في مثل هذا اليوم» !
بالطبع لا يخرج الأمر ـ في نظري ـ عن تقديرين، الأول: تقاعس التلفزيون عن واجبه الوطني والاجتماعي والفني. ثانيا: حكم المسؤولين بالفشل على المبدع والإبداع السعودي، وأنه لا يستحق عناء التصوير، ولا أظن وزارة الإعلام تملك عذرا مقنعا. فقد حضر المسرح الحكومي والأهلي، وتجسد المسرح النخبوي والجماهيري وما بينهما على الخشبة المقصاة عن الضوء، وكانت في تقديري مادة خصبة تستحق عناء مصور وكاميرا، وتستحق البث على فضاء العالم كله، وليس على فضاء وطننا الذي يبخسه البعض أشياءه البيضاء عنوة.
يتأوه المسرحيون، وينعون المسرح، ويصرخون « نريد مسرحا «، فمن تراه المعني بهذه الرسالة؟ من تراه المسؤول عن حجب الضوء والأكسجين عن زرعهم الأخضر الذي عذبته الظلمات داخل الوطن؟ فطيلة أيام المهرجان لا حديث للمسرحيين إلا عن آمالهم وطموحاتهم، وشكاواهم من تحجيم دورهم، وقهر رسالتهم بالتهميش واللامبالاة، وهم رجال وطنيون يبنون وطنهم ووعي مجتمعهم بطريقتهم ومجهوداتهم الذاتية غالبا.
يسمع الأغلبية بالمسرح، لكنهم لا يعرفون عنه إلا زعيق المسرحيات الشعبية المصرية، أو ركاكات المسرح المدرسي، لأن المسرح الحقيقي المؤثر، عالي التقنية حبيس جدران القاعات والورش، ولا غرو أن يظل حبيسا كغيره من المناشط الثقافية المهمشة من مؤتمرات وملتقيات وأماسٍ في الأندية الأدبية، وقنواتنا التلفزيونية مشغولة بعرض صور الجبال والصحاري التي نعرفها ونحفظ جزيئات تكويناتها، ولا أعلم حقيقة ماذا يستفيد حاجبو النور عن التنوير والوعي المجتمعي.
أسئلة كثيرة تدور في رأسي، لعل أقواها قرعا، هل يخشى المسؤول رسالة المثقف؟ وهل التلفزيون مخصص لزري البشوت في ليلة افتتاح أي فعالية ثقافية أو مجتمعية؟ إلى متى يظل الإبداع الوطني مهمشا؟ ومن المسؤول عن تهميشه؟
والكثير من الأسئلة تدور في أدمغة المهمشين، لعل أقل مضاعفات دورانها الشعور بالغربة، والإحساس بالإحباط، لا سيما والبلاء يعم كل الجهات، فلا تجد حراكا وطنيا دون شكوى، حتى إنك تكاد أن تضع يدك على فم المتأوه قبل أن ينثر ران ظنونه وعذاباته على قلبك المتخم بالأسى.