مدفع رمضان صوت يفصل بين الخيطين الأبيض والأسود
الخميس، ٢٦ يونيو ٢٠١٤
أشار إليه التاريخ قديما، واستأنس بصوته المسلمون منذ مئات السنين، ارتبط برمضان، وارتبطنا بسماع صوته سنوات عديدة، بقي عبر العصور المذيع الأول للجهة الرسمية، المخولة للإعلان، والإيذان بالأوقات التي يمسك فيها الصائمون ويفطرون.
وهو الدليل الواضح، الذي لا يقبل شك سامعه، على حلول رمضان المبارك وعيد الفطر، كم فرحنا بدوي صوته عندما كنا صغارا، بعد أن أخبرنا آباؤنا عن سر ذلك الصوت القوي، الذي كان يسمعه كل من سكن مكة المكرمة حينذاك، اجتمع الصغار والكبار على محبته وسماع صوته، على الرغم من أنه آلة حرب تحمل البارود، بعد أن تعودوا على إطلاق صيحات الفرح وتوزيع الابتسامات التي طالما تزامنت مع ذلك الصوت، يتبادل المسلمون التمنيات والدعوات بحلوله عليهم أعواما عديدة، وهم ينعمون بموفور الصحة والعافية، وأن يتقبل الله منهم الطاعات والعبادات.
وحظي «جبل المدافع» بأن يكون المكان المُصدر لصوت دوي المدفع بمكة المكرمة، ليصل سماع دويه إلى كل أوديتها وشعابها وجبالها وساكنيها، سواء كانوا قريبين أم بعيدين، ذلك لأنه الجبل الذي يعتليه السكان قديما، والمكان الذي أراد القدر أن يكون فيه مدفع رمضان ليسمى «جبل المدافع»، لنراه يعمل حتى يومنا هذا، وإن كنا لا نسمعه، بعد أن حجبته عنا ضجة الحياة، لتنقله القنوات وتعمل على إيصال صوته الإذاعات عبر وسائلها الحديثة إلى كل مكان، ليبقى «المدفع» رمزا ثمينا لا يعرف معناه إلا من عاش الحياة القديمة، الكبيرة في كل معانيها، والبسيطة في بقية تفاصيل حياتها.
لم يكن عبدالله بالعمش الاختصاصي الاجتماعي الذي ولد بمكة المكرمة في 1361 للهجرة، بمنأى عن سماع صوت «مدفع رمضان» أيام زمان، ليروي لنا عن لحظات قديمة سجلتها ذاكرته، بأنه عندما يعلن مدفع رمضان، بصوته القوي، يكون ذلك إيذانا رسميا بحلول رمضان المبارك، وبداية تجهيز أهل مكة المكرمة أنفسهم لاستقبال رمضان، حاملين الفوانيس والأتاريك المضيئة، حول المنازل والأسواق، وهي عبارة عن مجموعة من البسطات الصغيرة، التي كانت تقام خلال رمضان، لبيع المشروبات الرمضانية، مثل السوبيا والزبيب وشراب التوت، ومن الأطعمة الفول وشريك الصواني، وشريك العروسة، ومن الحلويات السوقدانة والماسية، وبعض المسليات مثل البليلة والسمبوسة وغيرها من الأكلات الشعبية القديمة، ينظم أكلها وبيعها صوت المدفع الرمضاني الذي يعده الناس بمثابة الإعلان حينذاك، إلا أنه تحول إلى مجرد رمز غال للزمن الجميل، الذي لن ينساه البشر، وما زال يعتلي جبل المدافع، يؤدي دوره القديم كما كان في السابق.