خبرة الأطباء.. وجرائم ضد الإنسانية
الأربعاء، ٢٥ يونيو ٢٠١٤
تفتخر البشرية في قرونها الأخيرة بما يسمى العلوم التطبيقية التجريبية والتي يأتي في مقدمتها الطب البشري، فبعد قرون طويلة من الطب العقائدي الذي اعتمد على العرف والأسطورة في بعض الأحيان والسحر والشعوذة في أغلب الأحيان عبر الإنسان إلى الطب التطبيقي التجريبي الذي يعتمد على البحث والتجريب .... وكانت الحيوانات هي المصدر الأساسي لهذه التجارب والبحوث ولكن التجريب على الإنسان كان لا بد منه لصياغة معلومات صادقة ودقيقة وموثقة، وصدم العالم باكتشافه لاستخدام النازي عشرات الآلاف من الأسرى في الحرب العالمية الثانية كفئران للتجارب الطبية ...... ولم تؤد محاكمات نورمبرج 1947 والتي قدم إليها كل من تورط في تلك الجرائم المرعبة إلى اندمال هذا الجرح الغائر في قلب البشرية النابض ورغم صياغة معاهدة تفرض قيوداً أخلاقية على البحوث التي تتم على الإنسان سميت معاهدة نورمبرج والتي تتحدث في أهم بنودها عن «ألا تتم التجربة إلا بعد موافقة الشخص موضوع التجربة، بمعنى أن تكون له مقدرة قانونية وعقلية على رفض أو قبول هذه التجربة دون تدخل أي عامل خارجي يمكن أن يؤثر في قراره ولا بد أن تؤدي التجربة إلى نتائج تهدف إلى خير المجتمع ويجب ألا تستمر أي تجربة حين يكون هناك سبب قوي للاعتقاد بأنها ستؤدي إلى موت أو إعاقة موضوع التجربة ولكن يمكن أن يحدث ذلك إذا كان الباحث أو الطبيب هو نفسه موضوع التجربة.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية تم تأسيس لجنة باسم «اللجنة الوطنية لحماية الإنسان من تجارب البيولوجيا الطبية والسلوكية» ورغم اختفاء نموذج تجارب النازي على الأسرى إلا أننا وفي كل قارات العالم نجابه بنموذج ليس أقل خطورة من ذلك، فالعديد من الأطباء «ومنهم عدد في بلادنا العربية» يجربون كل يوم العديد من الأدوية التركيبات في غير ما صرح به في البروتوكولات والقواعد العلمية لعلاج الأمراض اعتمادا على كلام مرسل عن الخبرة والقيمة العلمية التي حازوها .... وهو كلام لا يساوي تلك المخاطر التي يتعرض لها المرضى الذين تحولوا إلى فئران تجارب لمجموعة من الأطباء فقدت القدرة على المتابعة العلمية البروتوكولات العلاجية الصادرة من الجمعيات والهيئات الطبية الرصينة والتي صيغت بعد تجارب علمية محكمة.
وإذا كانت البشرية قد عانت كثيرا في سنواتها الأخيرة من أفعال النازي وأمثاله فإنها ما زالت للأسف تعاني تجارب يومية ضحاياها ملايين البشر ودون أي حساب أو محاكمة إلا من كلمات عن الخبرة والمكانة العلمية.