إرثنا التاريخي والحرب الطائفية في العراق
الأربعاء، ٢٥ يونيو ٢٠١٤
مع سخونة أحداث العراق هذه الأيام لا يمر عليَّ يوم منها إلا وأتلقى عشرات الرسائل الطائفية في الواتساب؛ وهي رسائل في مجملها ذات محتوى طائفي صارخ، مهمتها الشحن الطائفي، فهي تتحدث عن (الرافضة)، و(خطر الرافضة)، و(مخططات الرافضة)، و(تاريخ الرافضة)، و(عقائد الرافضة)، واستنهاض الهمم لفضح مخططاتهم، والحذر منهم، والدعوة لعدائهم، والدعاء عليهم بالخسران، والهلاك، والدعاء للمسلمين بأن يحميهم الله من شرورهم، وتصف كل من دعا لمحاربة الطائفية بأنه مخذِّل ومخدوع وساذج، وفي حديث مع أحد الأصدقاء الشيعة قال الأمر نفسه لدينا فثمة هياج أيديولوجي هذه الأيام في أوساطنا في الحديث عن خطر الوهابية، ومخططاتها، ومؤامراتها ضد الشيعة، ودعوات أن يرد الله كيدها في نحرها، هذا العداء الطائفي المستحكم ليس هو وليد اليوم بل هو نتاج تراكم ثقافي تاريخي يمتد لأكثر من ألف سنة، فثمة مقولات تنسب لبعض علماء أهل الحديث تدعو إلى جعل مرتبة الشيعي أبعد لأهل السنة من مرتبة اليهودي والنصراني، وتجعل عداوتهم مقدمة على أي عداوة، ومثل ذلك مقولات تنسب لبعض أئمة الشيعة تجعل مرتبة السني أقل من الحيوان، وتجعل من أهم القربات التقرب بلعن الخلفاء الراشدين الذين سبقوا علي بن أبي طالب، وكل حديث عن أن التراث السني أو الشيعي متسامح تجاه الطائفة الأخرى، ورموزها هو كذب صراح، وهو مما يقال في المحافل الرسمية للاستهلاك والدعاية، ومثل هذا التعايش بين الطائفتين؛ فلم يكن في يوم من الأيام قائما على التسامح والرضا بالتعددية، بل الحق أنه قائم على القهر، فإذا قويت إحدى الطائفتين وكانت لها السلطة قهرت الطائفة الأخرى، وتاريخ الدول العباسية السنية، والفاطمية الشيعية، والصفوية الشيعية، والعثمانية السنية شاهد على هذا، وهذا طبعي؛ إذ كلُّ دولِ القرون الوسطى دولٌ دينيةٌ قائمةٌ على الانحياز لأيديولوجية دينية تنتصر لها، وتعامل كل أيديولوجية مخالفة على أنها عدوٌ للدولة، وكان المنتظرُ في العصر الحديث أن نتخلصَ من هذا الإرث، وتنتصر لدينا قيمُ التسامحِ والتعددية، وتتحول الدولة العربية إلى دولة مواطنة عابرة للأديان والطوائف والأقوام والأيديولوجيات لكن فشلُ التحديث حال دون انتقالِ الدولة من نظامٍ قروسطي إلى نظامٍ سياسيٍ حديثٍ، فبقيت الدولةُ العربيةُ دولةً للمذهب أو الحزب أو الطائفة أو القومية، وهذا ما أبقى على الوهج الطائفي والقومي وجعلهما ملاذين للمضطهدين من أبنائهما، وجعل اللعب على أوتار الطائفية والقومية مسرحًا للسياسيين الطامحين، وكان من نتائج ذلك قيام الحروب العرقية بين الأكراد والعرب في العراق، والزنج والعرب في السودان، نتج عنهما قطع الجزء الجنوبي من السودان، والجزء الشمالي من العراق، واليوم يسهم التهييجُ الطائفي في العراق وسوريا - كما هو مشاهد في حرب الفتاوى، وخطب السياسيين، وبرامج الإعلام - في التعبئة لحرب طائفية قد تمتد عشرات السنين، ويبدو أن كل طرح عقلاني لتفادي مثل هذه الحرب لن يفلح، فالواقع يفرض نفسه، ولن يدرك الطائفيون فداحةَ التهييج والتعبئة الطائفية حتى يذوقوا ويلات الحرب، وعندها ـ فقط - سيدركون استحالة قضاء طائفة على أخرى فيتواضعون على التعايش السلمي، وكأن التاريخ الأوروبي سيعيدُ نفسَهُ في منطقتنا؛ فقد بقيت الاضطرابات الطائفيةُ في أوروبا قرونًا، فكل طائفةٍ تحوز السلطةَ في بلدٍ تضطهد الأخرى؛ ففي إنجلترا السلطة للبروتستانت وقد قامت السلطة بملاحقة الكاثوليك واضطهادهم، وفي فرنسا وألمانيا وإيطاليا السلطة للكاثوليك وقامت السلطة باضطهاد البروتستانت، وقد اجتاحت الحرب المذهبية التي عرفت بحرب الثلاثين عاما 1618-1648م أوروبا كلها، وقضت على ثلث سكان ألمانيا، وقبلها بنصف قرن تقريبًا حدثت المذبحة المروعة للبروتستانت في فرنسا وهي مذبحة سانت بارتيليمي التي حدثت عام 1572م؛ حيث ذبح 30 ألف بروتستانتي، ذبحتهم كتائب الكاثوليك المتعصبين بمباركة من بابا روما آنذاك غريغوري الثالث عشر، حيث قال حينما وصله الخبر قولته المشهورة: «اليوم انتصر الصحيح على الكفر والزندقة»، وأمر بضرب أجراس الكنائس فرحًا واستبشارًا، وانتشر الخبر في جميع المدن الفرنسية، وهذا ما دفع بالكاثوليك في تلك المدن إلى الهجوم على منازل ومزارع البروتستانت وذبحهم وتشريدهم، وقد قدَّر المؤرخون عدد الفارين منهم من فرنسا بثلاثمائة ألف بروتستانتي، وليس بعيدًا عن هذه العقلية الطائفية التي تقتل على الهوية ما يفعله متطرفو السنة والشيعة في العراق اليوم ببعضهم، وما يصاحب ذلك من مباركة وتشجيع من قطاع عريض من أهل السنة ومن الشيعة، وقد كاد أن ينفلت عقال الحرب الطائفية في العراق عام 2006 عقب تدمير مرقدي سامراء، وتم تداركه بعد ذهاب ألوف الأبرياء من المدنيين، واليوم ترتفع الفتاوى، وتدق الطبول، وتكثر التصريحات، وتعقد الألوية لبدء الحرب الحقيقية التي – إن حدثت - فستدوم لسنوات، وسيذهب ضحية لها مئات الآلاف، فهل سيعيد تاريخ أوروبا نفسه في منطقتنا؟!