عالمية الإرهاب

وصل إلى (كابل) بعد هدم البرجين، وهو شاب أمريكي لأبٍ عربي، فكان بجنسيته الأمريكية أيقونة في أعين من استقبلوه، منبهرين بهجرته، وتضحيته بالحرية والعدالة والرخاء والاستقرار ليستبدلها بكهوف الشقاء والحتف. وتلاقفه كبار زعماء المجاهدين، وظل محط أنظارهم؛ فأغلبهم لا يعلم بأنه قد فر من هموم، وفشل ذريع في حياته، وحرائق جو عائلي مرير بين والده الزوج الضعيف المنكسر، ووالدته الشقراء السمينة المستبدة ببطاقة خضراء أنعمت بها عليه، ليحل ضيفاً عليها في بيتها، ويزرع فيها طفلا!.
طفل لم يشعر يوماً بالحب والاستقرار، فنشأ منطوياً عنيفاً مدمناً لأفلام الرعب والعنف والدم، يبحث عن وسيلة للخلاص مما هو فيه. قرر الهرب من المنزل، ولكنه كان يستعاد إلى ضعف والده، وهو يترمد بجمر أمه المستعر.
حاول التمرد، وشارك بعض الأحداث الخارجين على القانون، ولكن صلابة قبضة العدالة كانت له بالمرصاد.
عاقر الخمور والمخدرات، وحاول الانتحار، وفشل.
لقد وجد ضالته في حادثة البرجين، فسأل والده بشغف، ليحكي له عن تفاصيل المعتقد، بسرية تخشى مسامع الأم.
أخيراً وجد في القاعدة ضالته، فالجمع بين السلطة والعنف والمعتقد والتحرر كلية من تبعية الأنظمة يتجمع هناك عملياً ونظرياً. عرف في أفغانستان أبجديات دينه، وهو يتقمص شخصيات أبطال أفلام الإثارة الهوليوودية، وما لبث أن أصبح من حسبة المجاهدين، حين قربه الكبار منهم، ودللوه، كونه واجهة إعلامية تعكس مدى صدق قضيتهم أمام العالم، بصورة الأمريكي المؤمن الأشقر وهو يشاركهم يقينا جهادهم، ومدللاً على جدوى وعالمية هذا العمل الانتحاري.
كانت الأعمال البسيطة، التي يلزمها غسيل مخ شديد لا توكل إليه، لأنه عنصر نادر، فكانوا يتركون تفجير الأنفس لمن لا فائدة إعلامية ترتجى منهم، وهم بالألوف من أبناء الخليج.
وظل يلعب، حتى تعدى مرحلة المراهقة، فشعر حينها بحقيقة خطورة ما صار يتعرض له هو وقادة القاعدة، فبلاده أمريكا تقتنص أهل الكهوف بطائرات بلا طيار تبصر في الظلمة، فماذا لو كان القتل من نصيبه حقيقة، ألن تكون كارثة الكوارث!؟.
وشد رحاله إلى الصومال، وشارك في خلق الفوضى هناك، وشهد عهد القرصنة ومحاكم الشوارع؛ وتلك لعبة جديدة فائقة التشويق؛ ولكن طائرات قومه لم تتركه أيضاً، فما كان منه إلا أن ارتحل إلى اليمن وعاث فيها متمتعاً بين كرم القبائل المتناحرة المنبهرة بذقنه الأصهب، وعينه الزرقاء، قبل أن يُيَمم نحو أرض العبثية والفوضى العارمة أرض الرافدين، فكان بخبرته القديمة صاحب صولات وجولات إعلامية، زادت من شهرته، وأصلت فضله. شهور، وما لبث أن أصبح من كبار القياديين بخبرته واسمه الحركي الإسلامي الأمريكي، الذي يبعث النشوة في قلوب المكبرين المهللين الناحرين لأعناق مخالفيهم.
ولم يستقر به المقام فولى وجهه شطر سوريا، فالأمر هناك كان أكثر تشويقاً، ودماء الكبود الطازجة لها طعم جديد، وعدد الفئات المتقاتلة يغريه بالتنقل بين صفوفهم في ثقة من يعرف قيمة وقفته بينهم، وهو لا يمانع في ذلك، طالما أن فصول المغامرة تتجدد وتستمر. أيام تشويق لم يعد يعرف فيها مع من، أو ضد من يقاتل؟، ولكن نيته على إكمال اللعبة كانت متعاظمة، واللذة أصبحت تعود إليه بكراً كما بدأت مع طالبان والقاعدة.
لقد أجاد لغة والده، وتمرس في ثقافته الجهادية، بعد أن حرمته والدته منذ طفولته من مجرد أن يعرف.
فرقته اليوم هي (داعش)، ولو أنه لم يعد يدري أداعش تلك، التي تقاتل الأسد، أم حليفته، أم المنفصلة عنها، أم عدوة جبهة النصرة، أم حليفة الشيعة، أم الصدامية البعثية، أم التي لا تعرف من تقاتل؟!.
ويعود اليوم للعراق بعزيمة على الاستمرار واللعب في عالم افتراضي حقيقي، وبعيداً عن موطنه الكافر، بنظامه الصارم، وعدم تقديره لمحبط مشتت مثله يريد أن يفرض سيطرته، وإن لم يكن لديه منها شيء، فإنه يدَّعيها، ودون أن يجبره أحد على أن يسير على الدرب القويم!.