المحققون الجدد
الأربعاء، ١٧ ديسمبر ٢٠١٤في بدايات دراستنا الجامعية، انتهى إلى مداركنا (التحقيق)؛ بوصفه علماً صعب المراس، يشتغل المعنيون به على إخراج كتب تراثنا المعرفي، ولا يستطيع تحمل أعبائه إلا العلماء الأفذاذ، وكَبُر في أذهاننا حينها عظمة هذا الميدان من ميادين العلم، لأن بعض ما ندرسه آنذاك، كان من أعمال كبار المحققين: كعبدالسلام هارون، ومحمود شاكر، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، والسيد أحمد صقر، ومحي الدين عبدالحميد، وغيرهم، من القامات العلمية الراسخة في ميدان المعرفة، والحفية بموروثنا المعرفي، على نحوٍ يسر للقراء وطلبة العلم والباحثين، الاطلاع على أمهات المراجع العلمية، التي أُلِّفت في العصور القديمة، وبدأبهم المخلص على إخراج تلك المآثر بشكل محكم رصين، يتوافر على أدق شروط التحقيق ومعاييره العلمية والفنية والأخلاقية.
ثم ألفينا بعد ذلك ثلة من الأكاديميين في بلادنا، ممن اهتموا بهذا الجانب، وتتلمذوا على أولئك الأعلام، من بينهم أستاذنا الدكتور عبدالله عسيلان، صاحب الجهود النظرية والتطبيقية في مجال التحقيق.
وكذا الأستاذ الدكتور عبدالعزيز المانع.
وقد أكَّد ذلك لدينا - في تلك المرحلة وبعدها – صعوبة هذا الميدان من ميادين البحث العلمي، وحساسية وصعوبة قواعده وأصوله.
غير أن السنوات الأخيرة التي لا تتجاوز العشرين، قد بدَّدت لدينا شيئاً من ذلك التصور والفهم، الذي وقر في أذهاننا عن التحقيق، ليس في مكانته العلية وشأوه العظيم وقيمته العلمية، ولكن في من استسهله واقترف الولوج إلى ميدانه من المتأخرين، من طلاب مرحلة الدراسات العليا، الذين هم من أحرص الباحثين على طرق هذا الباب، والمغرمين به ومحبذيه، ومقدِّميه على غيره من حقول البحث والدرس العلمي، لأسباب ودواع ليست كتلك التي عهدناها عند المتقدمين من الباحثين، وليست كما ارتسم في أذهاننا من قيمة رمزية لأولئك الجهابذة من العلماء المحققين، ولا تمت لها بسبب صغُر أو كبُر.
إذ فُتح المجال واسعاً بلا ضابط من معايير أو اشتراطات، تفرز المؤهل من غيره في هذا المجال.
ووافق ذلك التراخي والميعة العلمية؛ استسهال ذلك الصنف من الدارسين لأمر التحقيق، الذي لا يجاوز إدراكهم له حدود تخريج الآيات القرآنية، والأحاديث، والأبيات الشعرية والأقوال النصية، وعزوها إلى مصادرها، وتبيان معنى كلمة أو أخرى من المعجم، ناهيك عن سوء اختيار المخطوطات، وفوضى تحديد الأهم منها من المهم، أو الاكتفاء بما ليس له قيمة علمية، ولا إضافة للمعرفة بتحقيقه.
وقد أسهمت تقنيات البحث ومحركاته الالكترونية الحديثة، والكتب والمراجع المخزنة في المواقع العلمية الالكترونية، في تسهيل مهمة المحققين الجدد، فلم يعد يجهدهم البحث عن كتاب، أو التنقيب عن معلومة، أو تتبع سياق نص في مؤلَّف، للوصول إلى فكرة أو استخراج شاهد، ولم يعد يمتعهم أو يرهقهم قراءة ديوان للاهتداء إلى بيت، فالحاسوب تكفل بهذه المهمة، وبضغطة زر تصل إلى المراد أو المطلوب، وليس في ذلك ضير، وهو خيار مشروع لمن أراده.
ولكن الظاهرة الأسوأ؛ هي مآل التحقيق، ومظاهره ومخرجاته لدى المحققين الجدد، الذين أغرتهم منجزات التقنية الحديثة، بتخريج النصوص بأنواعها كافة، وإخراج المخطوط مطبوعاً، بغض النظر عن القيمة العلمية، أو الإضافة التي من المقترض أن يمثلها العمل المُحقَّق.
ولم يراع أغلب الدارسين - الذين يوصفون بالمحققين تجوزاً وتجاوزاً - أهمية هذا الميدان، ولم يُلزموا بأعمال مخطوطة، يقدم تحقيقها وإخراجها فائدة أو مضموناً يجلي جهدهم، وتفيد منه المعرفة.
فألفينا أعمالاً هزيلة مستلة من تراثنا بلا تدقيق أو فحص منهجي، وليس كل محتويات تراثنا على درجة سواء، من حيث القيمة والمضمون الجيد النافع، بل إن في بعض مراحل تاريخنا العلمي، مستويات متدنية من الشروحات والهوامش والمختصرات والمؤلفات، التي تجتر وتكرر ما سبق إليه من قبلهم.
ومن ثم ينزاح المحقق عن الأصل إلى تتبع هوامشه وشروحاته، وهكذا دواليك من اختيارات المحققين ومستوى أعمالهم.
لقد أغرى واقع التحقيق - على هذا المثال البائس - باطراح الدرس التحليلي أو الرصد البحثي، لكثير من الظواهر والقضايا العلمية المهمة، إلى البحث عن المخطوطات الجاهزة، التي لا تكلفهم عناء بحث أو روية واجتهاد وطول تأمل، طالما أن ما تتطلبه من جهد، لا يتجاوز ما تطرقنا إليه.
والعاقبة الكارثية لهذا الاتجاه، أن يضيف أولئك إلى سوء ما يختارونه من مخطوطات، ضعف وتدني الجهد الذي يبذلونه في إخراجها.