موز الصومال يقهر القاعدة

على ضفاف نهر شبيلى الصومالي بمنطقة قريبة من مدينة قريولي المحررة من قبضة ميليشيات القاعدة أخيرا، بدأ عبد الرحمن فولي مع عائلته يعيد الحياة إلى مزرعة الموز بعد سنوات من هجرها نتيجة لظروف الحرب التي شهدتها البلاد.
ويقول فولي وهو يستخدم أدوات بدائية لإصلاح المزرعة أملاً أن يعود زمن الرغد ونسيان المجاعة والحروب: علمنا أن شركات صومالية بدأت بتصدير الموز إلى الخارج، لذا نحن نرى أن ذلك فرصة جيدة، لأن مزرعتنا من المزارع التي تتوفر فيها المياه وهي صالحة لزراعة الموز، فالصومال بدأ في استعادة دولته المسلوبة تدريجيا، بعد طرد تنظيم القاعدة وحلفائه المحليين “حركة الشباب” من معظم المدن، وعاد الصوماليون إلى استئناف حياتهم الطبيعية قبل انهيار الدولة وتلاشي السلطة المركزية من البلاد، وظهور تنظيم القاعدة الدولي كأبرز اللاعبين في الساحة الصومالية، مستفيداً من الفراغ الأمني الذي سببه غياب الدولة وتراجعها من مجتمع الدولة إلى مجتمع القبيلة.
وكذلك بدأ الصوماليون يودعون عهد الإغاثات والعيش على المعونات، باستعادة الدولة لسلطتها ودورها، فيما عاد المواطنون إلى ممارسة أنشطتهم الاقتصادية التي كانت تشكل مصدر الدخل المعيشي لهم.

تهجير ومعسكرات

ويوضح فولي أن زراعة الموز توقفت كليا في منطقة شبيلى منذ 2009 عند وصول المتشددين إلى المنطقة، حيث حولوا الأراضي الصالحة للزراعة إلى معسكرات لتدريب ميليشياتهم بعدما أرغموا المزارعين على إخلاء مزارعهم لئلا يراهم الناس ويتعرفوا عليهم وعلى عددهم وجميع التفاصيل المتعلقة بحياة مقاتليهم، لذا تم تهجير آلاف من الأسر الزراعية من المنطقة إلى مقديشو وبوصاصو.
ويرى فولي أن الزراعة تمثل شريان حياة أهالي شبيلى وجوبا، ولم يكن قبل هذا العام في الإمكان العودة أو حتى التفكير بالزراعة، لأن لغة الحرب كانت سائدة في المنطقة، ولم يكن أحد يهتم بما يحصل للمواطنين، وكان الكل يركز على الحرب وتحقيق مكاسب سياسة وعسكرية على حسابهم.

بقاء الخوف.

وعلى الرغم من عودة الحياة إلا أن الناس لا يزال في قلوبهم شيء من الخوف من القاعدة، إذ رفض المزارع المسن أبو عبدالرحمن التقاط صورة له وهو يعمل في مزرعته.
ويقول: ثلاثة من أبنائي انضموا إلى حركة الشباب في 2007 وتركوا زوجاتهم وعيالهم وشاركوا في الحروب ضد الحكومة في مقديشو، ومنذ ذلك الحين لم نسمع أخبارهم.
والظاهرة ليست خاصة في أسرتي فقط، بل كانت منتشرة في المنطقة، ولا يوجد أسرة في منطقتنا إلا وواحد من أبنائها انخرط بهذا العمل.
ويروي أبو عبدالرحمن وهو يأخذ نفسه بعد ساعات من قطع الحشائش من مزرعته، أن هجرة الشباب من المزارع والانضمام إلى صفوف مقاتلي القاعدة وحركة الشباب بسبب إغراءات مالية وسلطات إضافية في استبداد الآخرين، مما أدى إلى ترك ضياع الشباب والحرفة والثروة مقابل ظهور ووعود خرافية تتمثل بالغنائم والنساء في بلدان الجوار.
واتجه مئات الآلاف من الشبان المزارعين إلى الخارج عبر أوروبا واليمن وكينيا المجاورة هربا من اضطهاد عناصر القاعدة التي ترغمهم في بعض الأحيان على الانضمام إلى ما تسميه الجهاد ضد القوات الحكومية وقوات الاتحاد الأفريقي في الصومال، مما تسبب إلى تحويل الأراضي الزراعية الخصبة إلى غابات ومعسكرات.


استئناف التصدير بعد 24 عاما

استأنفت شركات صومالية وطنية تصدير الموز الصومالي إلى بعض الدولة الخليجية في بداية مايو الماضي، وذلك بعد 24 عاما من توقف تصدير الموز الصومالي إلى الأسواق العالمية بسبب الحروب الأهلية التي دمرت البنية التحتية للبلاد، وغزو التنظيمات الإرهابية، وما أعقبه من الحرب.
 وأعلنت الوزارة الزراعة الصومالية فتح مجال تصدير الموز الصومالي من قبل شركات خاصة وطنية مرخصة، وفتح مختبرات ومعامل زراعية في مدينة أفجوي التي تبعد عن العاصمة مقديشو 30 كلم للتأكد من نوعية الموز المصدر إلى العالم لحماية الاهتمام الذي يحظى به الموز الصومالي في أسواق العالم.
وقامت شركة “فروت صوم” بتصدير أول شحنة موز إلى الإمارات عبر ميناء مقديشو تقدر بـ 78 طنا من الموز.
وقال وزير الزراعة الصومالي عبدي أحمد محمد بافو إن الحكومة تبذل قصارى جهدها، وتتعاون مع الشركات الخاصة الوطنية والأجنبية، في استعادة مكانتها في تصدير الموز، وبفضل مزارعنا ونوعية الموز التي تنتج من الصومال قادرون على تلبية الحاجات في الأسواق العربية وحتى بعض الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وأضاف بافوا في تصريح إلى “مكة” أن “موقعنا الاستراتيجي القريب من الخليج قد يساعدنا على جذب المستهلكين العرب لأن السفن المحملة بالموز لا تستغرق وقتا طويلا لتصل إلى موانئ جدة السعودية أو دبي، أربع أيام أو أقل تكفي ليصل موزنا إلى أسواق الخليج وهو طازح بمعنى الكلمة”.
وتابع: الصومال تفتح المجال للمستثمرين العرب في مجال الاستثمار الزراعي لإنتاجية أكبر من جميع أنواع الفواكه، لأن الحاجة المتزايدة في الخضروات والفواكه بما فيها الموز، الصومال تمثل بيئة مناسبة لتلبية جميع هذه الحاجات، لأن الموز الفيليبيني أو اللاتيني لا يتمتع بالمواصفات التي ينفرد بها موزنا، وتعرف أن أقل من 4% من الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد تتم الاستفاة منها ولذا الحكومة تمتلك ملايين الهيكتارات الجاهزة للاستثمار.
وأشار بافو إلى أن الوزارة تخطط مشاريع زراعية عملاقة في منطقة ما بين نهري شبيلى وجوبا في جنوب البلاد، وذلك بعد تحرير أغلب المناطق الجنوبية الغنية بالمياه من قبضة المليشيات المتشددة من تنظيم القاعدة، والتي كانت آفة وشوكة في راحة يد المزارعين، ونرجو أن يتعافى هذا القطاع المهم للبلاد في وقت قصير جدا.
وللموز مكانة خاصة في أوساط الصوماليين، إذ لا تخلو منه موائد طعام الأسر الصومالية مهما كانت مكانتها الاجتماعية.
وكانت إيطاليا المستعمر السابق للصومال، قد بدأت زراعة الموز في شبيلى وجوبا الواقعتين على ضفاف نهري شبيلى وجوبا في 1929، حيث بدأ المستعمر الإيطالي تصدير الموز الصومالي إلى بلدان شرق أوسطية، وأرسلت أول شحنة تجارية من الموز الصومالي 1957 قبل 3 أعوام من استقلال الصومال، وكانت حقبة النظام العسكري الأكثر ازدهارا في تاريخ تصدير وزراعة الموز الصومالي، حيث تم تصدير نحو 12 مليون كرتون من الموز الصومالي إلى أسواق الشرق الأوسط بين عامي 1971- 1972.


إصلاح زراعي بتمويل سعودي

بدأت منظمة التعاون الإسلامي في خطوة فريدة من نوعها، بتنفيذ أول المشاريع الزراعية بتمويل من الحملة الوطنية السعودية لإغاثة الشعب الصومالي في منطقة جنالي بإقليم شبيلى السفلى، 90 كلم جنوب غرب العاصمة الصومالية مقديشو.
ويشمل المشروع الزراعي إصلاح 500 هكتار من الأراضي في منطقة جنالي، وتوزيع بذور لـ 500 أسرة لزراعتها في الأراضي المستصلحة، إضافة إلى إعادة تأهيل 3 من قنوات الري: قناة طمي يس بطول 5 كلم، وقناة حانولي بطول7 كلم، وقناة جدودو بطول8 كلم.
 ويبلغ إجمالي الطول 20 كلم والعرض 4 أمتار.
ويهدف المشروع، بحسب بيان لمنظمة التعاون الإسلامي، إلى مساعدة المزارعين في الاستفادة من الأراضي الزراعية التي تعرضت للإهمال بسبب الحروب والجفاف والنزاعات الأهلية، وتيسير سبل الحصول على المياه من خلال تأهيل قنوات الري القديمة، وذلك لسقي الإنسان والحيوان والزراعة، مما سينعكس بالخير على سكان تلك المنطقة التي تعتبر من أهم المناطق الزراعية ذات الأراضي الخصبة.
 ورحبت الحكومة الصومالية والسكان المحليون بهذا المشروع الحيوي الذي سيغير حياة المئات من الأسر، إذ شارك في حفل الافتتاح وزير الزراعة الصومالي عبدي أحمد محمد بافو، وحاكم إقليم شبيلى السفلى عبد القادر محمد نور، وممثل منظمة التعاون الإسلامي محمد إدلي نائب مدير مكتب الصومال وعدد من القيادات الحكومية والأهلية.
يشار إلى أن منظمة التعاون الإسلامي تنفذ برنامجاً كبيراً لإعمار وتنمية الصومال، تموّله الحملة الوطنية السعودية، ويشمل مشاريع متنوعة في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والزراعة وغيرها، وذلك في عدد من الإقاليم الصومالية المتضررة.
وكان قطاع زراعة الموز في الصومال تضرر كغيره من القطاعات الأساسية لدخل البلاد خلال سنوات الحرب وخاصة في المناطق الجنوبية الغنية بالزراعة، التي كانت تسيطر عليها عناصر حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة في السنوات السبع الماضية.
ورغم خصوبة هذه المناطق إلا أنها كانت بؤرة للعنة المجاعة التي تكررت في الصومال وحصدت أرواح حوالي 300 ألف شخص من مزارعي الفواكه والخضراوات.
ويعتقد مدير مكتب منظمة التعاون الإسلامي أحمد محمد آدم أن الاهتمام بالزراعة اهتمام حيوي ومهم في هذا الإطار للبنية التحتية للبلاد، وأن التنمية تساهم في تخفيف معاناة الناس، والإغاثة شأن طارئ، ولكن الاهتمام بسبل كسب العيش وتوفير الحياة الكريمة للسكان هو أساس الحل.
من جانبه، يرجع الخبير الاقتصادي علي غابو نور السبب في تكرار المجاعات ونقص الغذاء، إلى الإهمال الحكومي للمزارعين، والضغوطات التي كانت ولا تزال تمارسها حركة الشباب على المزارعين في المناطق التي تسيطر عليها والمناطق النائية، خاصة في منطقة جوبا الوسطى.
وقال غابو نور إن المنطقة شهدت في الفترة الماضية صراعات بين بعض القبائل وعناصر الحركة فيما يتعلق بمحاولات من القبائل لردع طموحات قادة الشباب في مصادرة بعض الأراضي، خاصة مزارع الموز في جنالي وشلامبود وقوريولو في إقليم شبيلى، إلا أنها آلت لصالح الأقوياء آنذاك، في إشارة إلى حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة.