درسٌ سياسيٌّ بمقاربةٍ أصوليّة
الأربعاء، ١٨ يونيو ٢٠١٤
القول في “السياسة” هو بحثٌ عن “المعنى”، إذ لا يُمكنُ بأيّ حالٍ، إصدار حكمٍ على “فعلٍ سياسيٍّ” من حيث قبوله أو ردّه، إلا بجهدٍ مضاعفٍ، من الرصد لكلّ اعتبارات (المعنى السياسي) سواء ما كانَ منها، قد تعلّق بالحّدَث السياسي نفسه -وأشباهه-، أو ما قد تعلق بأسبابه التي أنتجته على نحو مباشرٍ أو بخلافه، أو ما كان قد تعلّق بالأقوال التي تسبق -الحدث السياسي- عادةً، أو تأتي عنه لاحقاً. وينضاف إلى كلّ هذه جملة من عناصر تداوليّة ومنطقيّة تُشكّل بمجموعها الأساس -في الدرس الأول سياسيا- لاستجلاء المعنى لهذا الأخير.
وبمعنىً أظهر: ليس لكلّ أحدٍ إدراك “المعنى السياسي” ما لم يتوافر على الرصد المضني لكلّ ما يمكن أن يتعلق بهذا “المعنى” الثاوي في مقولات الساسة وأفعالهم.
ومن كان منكم، قد سبق له، أن سَبَرَ اشتغالات “الساسة”، وعن كثبٍ قد تتبع أنساق ممارساتهم، وجدهم كثيراً ما يفرقون بين نوعين أصليين من “المعنى السياسي” هما:
*المنطوق سياسيا (مقول القول)، ونعني به: “ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق”، وهذا ليس لأي أحدٍ اجتراحه، وإنما هو لـ”الكبار” فقط، ذلك أنّ منطوقهم إذا ما تلفّظوا به، فإنّه لا بد وأن يُدرك من خلال: “المعنى” المباشر، وهو ذلك الذي قد تواضعوا عليه قبلاً، دون تزيّدٍ أو إضافات، ومن هذا الاستعمال للمنطوق سياسياً، قد يكون منه ما هو صريح، وما هو غير صريح، وذلك لمقتضى ً تفرضه المصلحة، والتي شأنُ تقديرها دائماً ما يكون مناطٌاً بـ”السياسي” وخاضعا لشروطه، وكلّ ما كان علمانياً- أو يدور في فلكها- نأى بنفسه عن الديني وتفسيراته!
*المفهوم سياسياً (شفرة تخاطبيّة ما بين المتكلم والمتلقي)، ويراد به: “ما فُهِمَ من اللفظ في غير محل النطق”، وهذا لطالما، كان من شأنه أن أحدث لبساً، عند من لم يتوافر على فقه: “مكر السياسي”، إذ إن هذا الأخير في لعبة “المفهوم” والتي يتقنها جيدا بل يجد نفسه فيها، لا يلبث أن يعاود حرفيّته المهنيّة، في المزاوجة، ما بين مفهوم الموافقة، وبين مفهوم المخالفة، دون أن يعبأ بما ستكون عليه النتيجة، إذ إن من كان في مثل الحال التي هو عليها، لا يحار في أن يُصيّرها لصالحه، متى ما شاء وأراد، غير مكترث ثانيةً بأيّ تكن عليه الدلالة حينها، سواء أكانت: دلالة اقتضاء، أو دلالة التزام، أو دلالة ضمنيّة. وليس بخافٍ: أن استيعاب الدلائل- في المفهوم سياسياً- مبنيٌّ على حدس المتلقي/ المستمع، على أنّ ثمة كلاما -في خطاب السياسي- لا بد وأن يكون محذوفاً، ليكون بالتالي برهاناً على كذب المتكلّم، ولا شك في أن مبدأ الكذب من مبادئ أصول التخاطب السياسي!
وغالب الإرباك، الذي تشهده (استديوهات التحليل السياسي)، إنما يأتي من قبِل الإخفاق في وعي دلالة “المفهوم”، وآيةُ ذلك: الكم الهائل من القراءات المغلوطة، لكثيرٍ من الأحداث السياسية التي تُلمّ بالمنطقة العربية، الأمر الذي افتقدنا معه صحّة استشراف المستقبل من لدن أستاذ علم السياسة العربي!، وصرنا- كما نحن في كلّ شيء- عالةٌ على أهل الشمال!
وبأي حال.. فإنّه يمكن القول: بأنّه من السّفهِ المعرفي- في كتاب السياسة- أن نتلمّس المدلول السياسي، في: “الملفوظ” وحسب، ذلك أن المدلول السياسي مضمرٌ (وهو من معاني السياسة الكبرى) إما لضرورة كذب المتكلم (والصدق في السياسة كذب) وإما لتعمّد خطأ وقوع الملفوظ به. (وهو ما يقترفه السياسي بقصد تغييب المعنى ابتغاء ضمانات خطوط للرجعة جراء خلق ضبابية في الرؤية لدى المتلقي) وفي هذه الحال- وهي دائمة في سياقنا العربي- يتعذّر أن يستقيم لنا “المعنى السياسي” ما يجعلنا وبكل بلادةٍ متناهيةٍ، لا ننفكّ من الإعادة بكلّ صفاقةٍ، لكافة إخفاقاتنا المرة تلو الأخرى، وليس بتحريض من أيّ أحدٍ، كما يوهم بعضنا بعضاً، وإنما العطب يأتي كما في كلّ مرةٍ، من قبل أنفسنا الأمارة بالسوء المعرفي سياسياً!
وبكلٍّ.. فالمكر الكبّار الذي عليه “الساسة”، يُمكن هو الآخر، ردّه إلى محض (شطارتهم) عبثاً، في كلّ ما يتعلق في: “المقول السياسي”، إن كان في “منطوقه” أو في “مفهومه”، ذلك أنّهم- في مقابل المستضعفين في الأرض من الشعوب- يمتلكون خلق كلّ المعاني، بدالّها ومدلولها..، وإن ما كان منها اليوم له دلالته، قد اكتسب في غده دلالةً أخرى تنقض ما كانت عليه قبلاً من حيث الدلالة لذات المعنى، .. ذلك أنّه ما من أحدٍ، تتملّكه الجرأة في نقد: “السياسي” وتعقّب خطابه بالتالي، كما أنّه- أي السياسي- هو من قد وهب نفسه صناعة ما شاء من جهازٍ مفاهيميّ، لا يفتأ يفصّل مدلولاته، على مقاسات احتياجاته، على النحو الذي يضمن معه الوصف بالصواب، لكلّ ما يأتيه من أعمال أو يذرها.
وبالجملة.. فـ”السياسي” يتعرّى قبالة الملأ، في حال دلّ لفظه على باطن “المعنى” دون ظاهره، إذ إنّ مشغولات “السياسي” تقوم على “المعاني غير المصرّح بها”، ومن هنا ينطلق “المحللون” من مبدأ: تقرير إثبات الوعي بالدلالات الإيحائية والباطنية، عند المتكلم “السياسي”، بحسبان السياسة تندرج في علوم “الباطن”، وهي الحقيقة، في حين يبقى للعوام: “علم الظاهر”، ولن تبلغ -يا صاحبي- مقدار السياسي ومقامه، حتى يأتيك يقينهم!
(أعتذر لمن لا يعرف أصول الفقه ولم يقرأ كتابا في السياسة ولمن ليس له علاقة بمتابعة واقعه.. أعتذر لهم جميعا إذا تعسّر عليهم قراءة المقال).