في (العراق) دائمًا الطائفة أو العرق ثم الوطن

(الوطنية) بمفهومها اليوم هي مفهوم حديث نشأت في السياق الأوروبي في العصر الحديث، وهي رابطة متعالية على كل الروابط الأخرى، حيث يندرج تحتها مجموعات سكانية مختلفة الأديان والطوائف والأعراق والقبائل والمناطق، يجمع تلك المجموعات الانتماء لدولة واحدة، ويكون الانتماء الجامع لكل هؤلاء هو الانتماء الوطني لتلك الدولة، وتظل بقية الانتماءات ثانوية تشكل تعددية لا تلغي رابط (الوطنية) بل تقويها، وإذا تغلبت الانتماءات الثانوية على الانتماء الوطني تخلخل مفهوم الوطن الجامع، وأصبحت الدولة الجامعة للسكان المختلفي الانتماءات، دولة لمن يملك القوة، وتحولت الدولة من دولة وطنية جامعة إلى دولة عرقية أو طائفية أو دينية، وهذا ينتج أحد أمرين؛ الأمر الأول: أن تستطيع الأغلبية حيازة القوة المطلقة وبهذا تقمع الأقليات الدينية أو الطائفية أو العرقية، أو لا تستطيع الأغلبية حيازة القوة المطلقة، وعندها ينزلق الوطن إلى الاحتراب الأهلي.
وهذا هو ما حدث في العراق؛ فالعراق الحديث دولة تعددية عرقية (عرب، وكرد، وتركمان)، ودينية (مسلمون، ومسيحيون، ويزيديون)، وطائفية ( سنة، وشيعة) ولا يمكن إقامة دولة جامعة لتلك التعددية دون إقرار دستور الدولة بتلك التعددية، وتطبيقها على الواقع، لكن دولة العراق منذ نشأت بعد اتفاق سايس بيكو إلى اليوم لم تتحول إلى دولة تعددية حقيقية بل ظلت دولة تتحكم فيها فئة من السكان فتعلي عرقها أو طائفتها على بقية أعراق وطوائف الدولة، ففي الحقبة الملكية كانت تعلي العرق العربي على بقية الأعراق، وكذلك في عهد الجمهوريات المتتالية كان العرق الكردي مضطهدًا، ولهذا كان التمرد الكردي على الحكومة المركزية مستمرًا، ثم في نهاية العهد الجمهوري تحولت الدولة إلى عرقية تعلي من العرق العربي، وطائفية سنية في الوقت نفسه، وهذا ما دفع بالطائفة الشيعية لإنشاء الحركات المسلحة للتمرد على الحكومة كالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، ومنظمة بدر، وغيرها، وهذا الواقع الذي كانت تعيشه الدولة العراقية منذ نشأتها خلخل الانتماء الوطني الجامع، ودفع سكان الوطن إلى البحث عن انتماءاتهم الخاصة، فصار الانتماء للعرق عند الكرد مقدمًا على الانتماء للوطن، والانتماء للطائفة عند الشيعة مقدمًا على الانتماء للوطن، وهذا أمر بدهي؛ إذ لا يمكن أن يتغلب الانتماء الوطني على أي انتماء آخر إلا إذا تحققت العدالة بين المكونات السكانية المختلفة، وهذا ما لم يحدث في العراق قبل الغزو الأمريكي.
وماذا بعد الغزو؟، بعد الغزو وإقرار الديمقراطية تولت الطائفة الشيعية الحكم في العراق، وكان المفترض أن يتحول العراق إلى أنموذج للدولة الديمقراطية التعددية، حيث وضع دستور تعددي يضمن الحرية والعدالة بين مكونات الوطن، وأصبح الوطن وازدهاره ومستقبله كله مرهون بكيف سيتصرف الشيعة باعتبارهم أغلبية ضمنوا - غالبًا - الفوز بأي عملية انتخابية قادمة، لكن من سوء حظ الطائفة الشيعية أن ابتليت بطبقة من الحكام قليلي الخبرة السياسية، تجربتهم في العمل السياسي لا تتعدى العمل الحركي الديني، قادوا البلد بعقلية طائفية انتقامية، ومسكوا السلطة وفي أذهانهم أن الهدف الأول هو كيف نجعل الطائفة تمسك بكل مفاصل البلد؛ لنضمن بقاء السلطة لطائفتنا إلى الأبد، وهذا يتطلب تكاتف الشيعة – مهما كانت خلافاتهم، وسوء تصرف من فاز بالسلطة منهم – وقبول وصاية إيران؛ لأن في هذا مصلحة للشيعة، والانتصار للنظام السوري في حربه لشعبه وهو من كان المالكي يتهمه بدعم العمليات العسكرية في العراق؛ خوفًا من مجيء سلطة سنية في الشام، لقد كانت إدارتهم للسلطة فيها تكريس للولاء للطائفة قبل الوطن، واستغلال لذلك الولاء حتى وصل الأمر بنوري المالكي إلى الهجوم على المعتصمين في ساحات الأنبار قبيل الانتخابات ليفوز بأصوات الشيعة؛ أي أنه يهاجم عسكريا قسمًا من المواطنين ليفوز بأصوات قسم آخر، ومع إجماع الطبقة السياسية الشيعية من غير (ائتلاف دولة القانون) على أن المالكي فشل في إدارة السلطة في الفترتين اللتين تولى فيهما فشلا ذريعًا، وقدرة تلك الطبقة على جمع أصوات كافية باتفاق حزب الصدر، وحزب الحكيم مع ما ناله السنة والأكراد من مقاعد وتشكيل ائتلاف حكومي وطني يقود السلطة مستبعدًا المالكي وحزبه، إلا أن مصلحة الطائفة عند تلك النخبة مقدمة على مصلحة الوطن، فتمسكوا بائتلافهم مع المالكي (الذي يقرون بسوء إدارته وفشله)؛ لأن في تمسكهم اتحادًا للطائفة ضد بقية طوائف وأعراق البلد، إنها عقلية الاحتماء بالطائفة؛ فقلة خبرة تلك الطبقة السياسية في العمل السياسي جعلتهم يعيدون إنتاج حكومة صدام حسين الطائفية المضطهدة للأقليات لكن هذه المرة بنكهة شيعية، ونسوا أن الزمن تغير، والواقع الدولي والإقليمي، وكانت حصيلة توليهم السلطة أن صار وطنهم العراق في مهب الريح؛ مستقبله لن يخرج عن أحد ثلاثة خيارات؛ فإما إقرار بفشل الحكومة الطائفية وتكوين حكومة وطنية جامعة، وإما انزلاق إلى حرب طائفية لا تبقي ولا تذر، وإما تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات.