المشكلة الكبرى تكمن في «الموصِّل»

مشكلة الخلل الإداري في بعض جامعاتنا سهلة و(مقدور عليها)، إلا أن المشكلة الكبرى تكمن في (المُوصّل) أي الأستاذ، درجنا على اختزال وظيفة التعليم في (الحفظ) وبالتالي أصبح التدريس مجرد تلقين. وظيفة المعلم هي أن يحفظ (الطالب) أكبر قدر من المعلومات في المواد كافة. ووظيفة المعلم هي أن يلقن، أو يلقم عقل الطالب هذا الكم من المعلومات وأن يحشو رأسه بها، بعد أن تلقنها وحفظها معلمه من قبل. والكتاب هو الوسيلة الوحيدة في هذه العملية الدائرية الفارغة الجوفاء. تستطيع أن تجد عذرا، ولو مع شيء من التجاوز للمعلم في التعليم العام في تكراره لنفسه بهذه الطرق المعذبة التي تجعله يستهلك نفسه وعقله، وإذ تتحكم على قدراته الإبداعية ليس مناهج التعليم العام فحسب، بل وحتى مفردات المنهج المقررة سلفا وتفاصيلها.
إن بعض السلبيات التي كثيرا ما يشير إليها المهتمون بقضية التربية والتعليم عندنا في كتاباتهم، سواء اتفقنا أو اختلفنا حول الجوانب التي يشيرون إليها، إنما ــ وهذا خطر آخر ــ تشمل سبل (التوصيل) ووسائله كافة، وآليات عمليات التدريس التوصيلية وتقنياتها، لأنها إلزامية منهجا، ليس فيها حتى الحد الأدنى من هامش حرية التصرف في مفردات المنهج. ربما يكون هذا شيئا جيدا إذا كانت وظيفة التعليم والهدف الأول والأوحد من العملية التربوية والتعليمية هي مجرد (الحفظ)، أي إذا كانت الفصول الدراسية مجرد مصانع الهدف منها أن تطرح للسوق أكبر عدد من (الشرائط) المسجلة التي تحفظ ما طبع عليها لتعيده وتكرره كلما ضغطنا على مفتاح التشغيل في الاختبار، ثم نمحوه في نهاية العام الدراسي، لنسجل عليه (مواد) الفصل الذي يليه. ثم نعيد محو نفس الشريط وطبعه في المراحل التعليمية التالية كلها..وإلى الجامعة بدرجاتها العلمية كافة.
على الرغم من الأسى على هذا الوضع الذي فرض على المعلم في التعليم العام، إلا أن الإنسان يجد له بعض العذر ــ مع شيء من التجاوز ــ لأن المناهج الصارمة التي فرضت عليه، لم تتح له هامشا ليكسر دائرة هذه الرتابة المتكررة بلا نهاية، ولكنك لا تستطيع أن تجد مثل هذا العذر، مهما اجتهدت، للأستاذ الجامعي الذي يمارس على نفسه هذا الحصار، دون أن يفرض عليه من خارج.. لسبب بسيط، وهو أن مفردات المناهج الجامعية التفصيلية ليست مقررة، أو مفروضة سلفا ومسبقا عليه، إذا يستطيع ــ خلافا لمعلم التعليم العام ــ أن يصيغ أو يبتدع منهجه في إطار ما هو مقرر، وأن يبدع في هذا المنهج. ولكنه لا يفعل ذلك! أتدري لماذا؟ ارجع إلى فلسفة التعليم ووظيفته تجد الإجابة هناك. إنه: الحفظ... والتلقين... فالتسميع. في حين أن الوظيفة الأولى للتعليم أن يتعلم الطالب كيف يفكر، وأن يتعلم كيف يطلق قدراته الإبداعية الفكرية الوجدانية من عقالها لتتفاعل مع الواقع، ومع المحيط الخارجي.
ومن الأخطاء الفادحة التي يقع فيها القائمون على جامعاتنا السعودية عند اختيار المعيدين الذين هم مشروع أستاذ جامعي أنهم لا يراعون المهارات الشخصية والفكرية وقدرة المتقدم لوظيفة المعيد على امتلاكه لمهارت نقل المعلومة للطالب، ولهذا نرى من أسباب تدني مستوى طلاب جامعاتنا تدني قدرات ومهارات الأستاذ الأكاديمي (الجامعي) السعودي.. ليس بالضرورة أن يكون حامل درجة الدكتوراه مشروع أستاذ أكاديمي ناجح.
وما بين تهافت «أهل الثقة « وعزوف « أهل الكفاءة» يضيع الطالب والأستاذ والجامعة وأموال الدولة، لأن ولاة الأمر ـ حفظهم الله ـ ما بخلوا قط على الوطن بشيء، لقد بذلوا أكثر مما تبذل الدول لدفع عجلة التعليم، ورصدوا ميزانيات تكاد تكون مفتوحة في سخائها، وهيؤوا المناخ تماماً، ولم يبق سوى أن نستثمر ونوظف هذا الذي بسطت الدولة لنا به يديها بسخاء على النحو الصحيح.
والمتسلقون يسقطون عندما يسقط السلم الذي أوصلهم لما لا يستحقون!!
وأختم بقول الله تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ» (سورة الزمر، 9).