الجهاد وغزوة الدجاج!
الاثنين، ١٦ يونيو ٢٠١٤
المقطع الذي تم تداوله مؤخراً حول «غنيمة» داعش من أحد المراكز الأمنية في العراق، يظهر من خلال أصوات ثلاثة أشخاص داخل المركز الأمني أنهم من (جزيرة العرب)، الأبناء الوقود دائماً بكل بشاعة الإيمان والتصديق بمشروع الدولة الإسلامية الذي ترفعه دولة العراق والشام منذ نشأتها واستغلالها وقادتها لعناصر يمكن التغرير بها وزرعها كعبوات ناسفة في طريق الحياة.
يظهر المقطع المصور عبر كاميرا هاتف متنقل شخصاً يتجوّل فيما يشبه مستودعا للمركز الأمني، يحتوي على ثلاجتين أو ثلاث يتفاجأ حين يفتح الأولى أنها مملوءة بـ»الدجاج» صائحاً ليخبر الاثنين الآخرين بمحتواها «دجاج... دجاج»!
يتنقل ليصل بنبرة صوته التي نعرفها حتى يصل إلى مستودع آخر يوجد به نوع آخر من الأغذية «مشروب غازي» وهو يتغنى بغنائم دولة العراق، حتى تظهر يد أحد الشخصين في طرف الكاميرا حاملا علبة لا يعرف محتواها «علبة تشبه علب الزبادي» مكتوب عليها بلغة لم يستطع أي من الثلاثة قراءة محتواها يبدو أنها باللغة الإنجليزية، ويسأل أحدهم الآخر «وشو ذا»؟!
كيف يمكن لمحارب مهما اختلفنا معه أن تكون الغنيمة التي يتباهى بها مستودعا للدجاج ومشروبا غازيا وعلبة زبادي؟! ما الذي جعل مثل هذه الغنيمة محل اهتمام وشغف لواحد يبدو منّا؟
الأصوات المراهقة التي بدت من خلال نبرتها وطريقة حديثها وفخرها بمستودع أغذية يبدو أن الصورة حولها تبدو في غاية الوضوح، فمهمتهم الوحيدة لم تكن، في حرب من هذا النوع، هي ربط الأحزمة الناسفة وقيادة السيارات المفخخة، تلك الوظيفة التي كان بالإمكان القيام بها تحت مجلدات الحور العين وسهولة استغلال هذا الإيمان من قبل زعماء الخراب والحروب اللئيمة.
هذه المرة، داعش تعتبر جيشا مدججا بالأسلحة يعتمد طريقة الحرب الحقيقية حتى وإن افتقر لمعظم أدواتها العسكرية، إلا أن تاريخه القصير أثبت أنه يتمتع بقيادة لديها خبرات كافية لجعلها تصمد حتى الآن في كل نزاعاتها التي خاضتها، مهما اختلفت الأسباب والتبريرات والقراءة السياسية والعسكرية للأحداث.
فلماذا ثلاث نبرات متشابهة في مستودع أغذية؟
يبدو أن المهام التي توكل الآن لمراهقي الجهاد القادمين من خارج منطقة النزاع لم تعد مهاما حربية ولا عسكرية ولا أحزمة ولا سيارات مفخخة مثلما كانت تكتيكات القاعدة في العراق ومن بعدها بدايات جيش النصرة التي اعتمدت على هذا النوع من المبادرات وكبر احتياجها في فترات محددة للراغبين بتقديم أنفسهم كـ»شهداء».
ومع انتهاء حقبة العائدين من أفغانستان والشيشان، الفترات التي شهدت تدريباً عسكرياً فائق المهارة، ومع انتهاء دور القاعدة ومعسكراتها في الداخل بعد القضاء على معظم عناصرها المدربين والقادة، لم يعد لمراهقي «النفرة» وتمزيق الجوازات غير «شبّة النار» والوقوف في ذيل جيش مدرّب ومتمرس للقيام بمهام أدنى من الحرب.
يوحي المقطع بأن الثلاثة أشخاص موتى من الجوع والحرمان، إلى درجة أن مشهد الأغذية تحوّل إلى مادة دسمة يتم تصويرها ونشرها، بدلا من صور الحرب والبيانات العسكرية وإعلان المواقف الجهادية، وبدلا من صور الكلاشينكوفات ومدافع الهاون والأحزمة.
هذا التبدل في الصورة لا يمكن اعتباره مشهداً لحالة خاصة واستثنائية، للأسباب التي تم ذكرها سابقاً (قلة الخبرة وانعدام التدريب وانحسار أدوار القاعدة والتضييق على المعسكرات والتجنيد وصغر سن المغرر بهم) فنحن أمام صورة جديدة من صور الجهاد تتعلّق بأمرين، أولهما اختلاف التكتيك لدى جيش دولة العراق والشام والانتقال إلى مرحلة الحرب بين معسكرين (نظامي وغير نظامي) وصورة الشاب المحشو دماغه بتاريخ مزيّف للانتصارات والتوبة والرغبة والإيمان... إلخ.
فما مصير الفخورين بغنائم الدجاج والمشروبات الغازية أمام هذا الدور الذي وجدوا أنفسهم غير لائقين لسواه؟
حلم الدولة الإسلامية وخرائطها ربما ينتهي وسيجدون أنفسهم إما في عداد الموتى، أو فارين وخائفين، أو في سجون لا تليق حتى بالمحاربين. والشواهد على ذلك، جوانتنامو وأبو غريب وقلعة جانجي!
لنبدأ في الدفاع عنهم تحت ذريعة الجوع والخوف والدجاج المجمّد!