خيارات كلينتون الصعبة:تدشين للحملة الرئاسية بأدب الاعتراف
الاثنين، ١٦ يونيو ٢٠١٤
كتاب وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون الجديد الذي صدر في 10 يونيو 2014، يحمل عنوانا لافتا هو: “الخيارات الصعبة”، ليس مجرد كتاب إنما هو يحمل معنيين:أولا، إنه بمثابة التدشين الفعلي لبداية حملتها الانتخابية الرئاسية في 2016، لذا يمكن أن نعده من جانب: “كتاب الحملة الرئاسية الحديثة “ في الولايات المتحدة.
ثانيا، هو كتاب في أدب الاعتراف أكثر منه “مذكرات شخصية” لذا يمكن أن يقرأ من زاوية وجودية وإنسانية من جانب آخر.
العائلة والزواج والطلاق والأطفال هم بالفعل أحد الخيارات الصعبة في حياة كلينتون الشخصية والإنسانية، فقد تعرضت حياتها الخاصة لزلازل عنيفة منها قضية زوجها الرئيس بيل كلينتون ومونيكا لوينسكي، والتي خرجت منها أقوى وأثبتت أمام العالم أنها جديرة بالاحترام وتحمل المسؤولية، فقد حمل الفيس بوك قبل أسبوعين فيديو مدته أربع دقائق تحدثت فيه كلينتون إلى الكاميرا مباشرة عن كتابها الجديد واختيارها للعنوان والتحديات الشخصية التي واجهت عائلة كلينتون.
ولا يزال الناس تذكر لها ما قالته في كتابها “التاريخ الحي” في 2003 في الفصل الخاص: لماذا بقيت زوجة لكلينتون؟قالت: لا أحد يفهمني أكثر من بيل ولا أحد يستطيع أن يرسم البسمة على وجهي غيره، إنه لا يزال الرجل الأكثر إثارة للاهتمام، والأكثر نشاطا وحيوية منذ أن التقيت به وحتى اليوم.
فتسريب مقتطفات من الكتاب الجديد بدأت على دفعات أو دفقات محسوبة ومشوقة، منذ عيد الأم في أمريكا (الموافق 11 مايو من كل عام)، ونشرت مجلة “فوغ” ما قالته هيلاري عن ابنتها تشيلسي كلينتون وأمها دوروثي هاويل رودهام التي توفيت في 2011، والصدفة وحدها جمعت بين مولودين جديدين وليس مولودا واحدا، فقد حملت الأخبار هنا في أمريكا أن ابنتها تشيلسي كلينتون تنتظر مولودا، أي أن هيلاري قد تصبح جدة قريبا وهي “صدفة سعيدة” في كل الأحوال.
محبة ولطف
وحسب ما نشرته “فوغ” على لسان كلينتون: أنا مستعدة للدور الجديد وانتظره منذ سنوات: سوف أصبح جدة، لقد وجدت نفسي أفكر في أمور كثيرة منها علاقتي بأمي عندما كنت طفلة صغيرة والدروس التي تعلمتها منها، لقد كانت أمي على مدى السنوات الأخيرة مصدر راحة كبيرة لي ولعائلتي خاصة الفترة الصعبة عقب نهاية الحملة الانتخابية في 2008، عندما كنت أعود إلى المنزل بعد عناء يوم طويل من العمل في وزارة الخارجية أو مجلس الشيوخ.
وتضيف: في شيكاغو عشت طفولة مؤلمة بدأت مع طلاق أبي وأمي، وبدأت أتعرف مع أختي الصغيرة على معاناة الأطفال والمطلقات، حيث لم تكن أمي قادرة على رعايتنا فسافرنا بالقطار إلى كاليفورنيا لنقيم مع جدودنا لأبي، وكانا زوجين مسنينلا يحملان لنا الحب، عندما بلغت أمي الرابعة عشرة انتقلت من منزل جدتها غير المريح، حين وجدت عملا كمربية ومديرة لمنزل في سان غابريل حيث توفر لها السكن والمأكل مع أجرة ثلاثة دولارات أسبوعيا، مع حضور المدرسة الثانوية لتكمل تعليمها وهنا شعرت للمرة الأولى كيف يهتم الآباء بأطفالهم ويحبونهم.
عندما بلغت من العمر ما يكفي لفهم كل هذا، سألت أمي: كيف استطعت أن تتغلبي على سوء المعاملة وقسوة الحياة والهجر العاطفي والجسدي دون أن يؤثر ذلك في نفسيتك ومشاعرك الطيبة أو تشعري بالنقمة والمرارة؟ لن أنسى أبدا ما أجابت، قالت: في أحرج لحظات حياتي، إنسان ما قدم لي المحبة وبلطف شديد، أحيانا قد تبدو الأشياء الصغيرة هي نقطة التحول في حياتك وهنا تبدو أهمية دور المعلم في المرحلة الابتدائية فقد لاحظت المدرسة أنني لا أملك المال لشراء الحليب، لذا كانت تشتري كل يوم اثنين صندوقا من علب الحليب ثم تنادي علي في حجرتها الخاصة وتقول لي: دوروثي، لا أستطيع أن أشرب هذه الكرتونة الزائدة عن حاجتي هل ترغبين في مساعدتي وتأخذينها؟
مستقبل أفضل
الموجة الثانية من “الخيارات الصعبة” في الفيديو، لخصت نظرتها المتفائلة للحياة ومستقبل العالم، وتقول: نحن في أمريكا أكثر حرية وديمقراطية وأمنا وسلاما، كما أننا نعرف أكثر أيضا، لذلك عندما نستشعر خطرا لا نهرب منه بل نواجهه ونبحث دائما عن مصدر الأزمات والنزاعات، العالم يتجه نحو مزيد من الفرص والحرية – ولو ببطء – كما ستشهد السنوات القادمة زيادة هائلة في الطبقات الوسطى في الصين والهند والبرازيل.
كلينتون طرحت في هذا الكتاب أهدافا طموحة، فهي تحاول أن تفسر العالم وتحدد بدقة موقع ومكانة أمريكا في الألفية الثالثة، وهو أمر جديد أصبح هاجسا داخل كل من يسكن البيت الأبيض أو من يحاول أن يسكن فيه، فقد شاهد العالم عبر الميديا قبل أيام ما قاله الرئيس بارك أوباما عن مكانة الولايات المتحدة اليوم وإلى أين تتجه عندما حدد ملامح السياسة الخارجية الأربع وإن شئنا الدقة الجهات الأربع للعالم.
وتؤكد كلينتون في كتابها أنها ستطرح بصراحة ما يدور في كواليس صنع القرار داخل الإدارة الأمريكية حتى يتابع الناس كل يوم ما يدور ويتعاطفوا مع القرارات الصعبة التي يتخذها صانع القرار، فضلا عن رؤيتها حول القضايا المحلية الساخنة مثل “العدالة الاجتماعية” وغياب المساواة وكيفية التضامن بين الشرائح والطبقات المختلفة في أمريكا من أجل هذا الغرض وهي من أصعب المهام التي سيواجهها الرئيس القادم.
.. واليهود ضمنوا وصولها
على الرغم من أن هيلاري كلينتون لم تعلن رسميا ترشحها إلى الانتخابات الرئاسية حتى اليوم، فإن اليهود الأمريكيين استعدوا مبكرا لهذا الترشح وبدؤوا بالفعل أكبر حملة لجمع التبرعات بالتعاون مع أعضاء الحزب الديمقراطي، وهو ما يمهد الطريق لترشح كلينتون للانتخابات الرئاسية في 2016.أقطاب اليهود الأمريكيين “الديمقراطيين” الكبار هم: مارك ستانلي وفران كاتز واتسون وستيف رابينوفيتش، بدؤوا في اتخاذ الإجراءات الفعلية لحث المجتمع اليهودي الأمريكي للتطوع والتبرع وجمع الأموال اللازمة للانتخابات الرئاسية، ما يؤشر إلى ثقتهم ليس فقط في ترشح كلينتون وإنما فوزها أيضا.
نحن أمام أكثر من مليوني مؤيد يهودي أمريكي لكلينتون وأكثر من “55.000” من المتبرعين الكبار، ويكفي أن نعرف أن رابينوفيتش كان جزءا من الحملة الرئاسية للرئيس الأسبق بيل كلينتون ثم انضم إلى فريق العلاقات العامة بالبيت الأبيض ويرى أن هيلاري كلينتون: تتمتع بجدارة التأييد الساحق لليهود الأمريكيين.
وحسب صحيفة يديعوت أحرونوت: نحن اليهود نحبها كثيرا ونريد أن تصبح رئيسة للولايات المتحدة، ونمتلك أكثر من طريقة لنثبت لها ذلك، وننتظر بفارغ الصبر كتابها الجديد لنبدأ تسريع حملتها الانتخابية.
مخلب القط بين الخبرة والتغيير
وجد بعض النقاد من الجمهوريين والمستقلين كتاب هلاري كلينتون فرصة ثمينة الآن للتعرف على الفجوة بين ما تطرحه كلينتون في كتابها من طموحات وتوقعات وأهداف وما ستحققه في الواقع بالفعل، أي أنهم لا يتعاملون مع الكتاب كجزء من الحملة الانتخابية التي غالبا ما يقدم المرشح الرئاسي “الجديد” نفسه للأمريكيين من خلالها، وإنما باعتباره “مجموعة من الادعاءات” لمسؤول سابق محنك سياسيا علينا التعامل معها كحقائق ومعلومات، خاصة أن كلينتون في النهاية، ليست مرشحا عاديا بل خبرت السياسة الأمريكية ووصلت إلى أعلى المناصب “وزيرة الخارجية للولايات المتحدة”، وبالتالي، فإن العنوان الذي تخيرته للكتاب وهو “خيارات صعبة” – والذي تعرض للنقد الشديد بدوره – سيستخدم كوثيقة ضد كلينتون وليس تبريرا مسبقا لأي سياسات خاطئة قد تنتهجها في المستقبل.
إن كلينتون لا تنقصها الخبرة السياسية وتعلم أكثر من أي مرشح آخر ما يجب أن تفعله بالضبط وما هي الصعاب التي تنتظرها!الحفاظ على أمريكا قوية ومزدهرة وآمنة إلى آخر هذه الخيارات، قد تصبح نوعا من خفة اليد والأوهام وتؤدي إلى تضليل الناس إذا اقترنت بالنقص في المعلومات أو واجهت المصالح والضرورات المتعارضة في العالم، لذا فإن معرفة كيف تتخذ القرار هو البداية الصحيحة لأي مرشح رئاسي، ولا يوجد قرار يمكن اعتباره سهلا بالنسبة لأي رئيس – تقريبا كل القرارات شائكة.
وحسب ما قاله الرئيس أوباما نفسه لكبير الموظفين في البيت الأبيض مايكل لويس: أي قرار يصدره الرئيس أشبه بمن يسابق الرياح، مع الوضع في الاعتبار أنه قد لا يصيب الهدف بنسبة تتفاوت بين 30% و40%، لذا على الرئيس ألا يصاب بخيبة الأمل عندما لا ينجح في مسعاه.
الصعب والأصعب
كلام أوباما لا ينطبق بالتأكيد على كلينتون، إذ من الطبيعي أن يفهم الرئيس في المكتب البيضاوي تعقيدات القرار السياسي، إلا أن أوباما لم يكن لديه الخبرة السياسية الكافية قبل أن يصل إلى منصبه الرئاسي على عكس كلينتون التي خبرت دهاليز المنصب حين كانت زوجة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، أو وزيرة لخارجية الولايات المتحدة وما بينهما من مناصب ووظائف سياسية.
ناهيك بأن أمريكا موطن وسائل التواصل الاجتماعي: تويتر، فيس بوك واليوتيوب، بدأت أكبر مناقشة حقيقية من مختلف التوجهات والأعمار حول كيف ستتخذ كلينتون قراراتها السياسية الخارجية، وما هو القرار الصعب ثم الأصعب الذي ستطرحه على التوالي؟ أي نوع من البشر نريد أن نكون؟ وأي نوع من البلدان يجب أن نكون؟ هذا السؤال الكبير هو ما حاولت كلينتون أن تشرحه في كتابها لا سيما في هذه اللحظة التاريخية الفارقة بالنسبة للولايات المتحدة، وخارج هذا السؤال لا توجد عند الأمريكيين خيارات صعبة أخرى يمكن أن يواجهها أي مرشح رئاسي!إن أعقد قضية مطروحة في الداخل الأمريكي الآن ما يسمى بـ”سرطان عدم المساواة” الذي بدأ يتفشى قبل الأزمة الاقتصادية الكبرى في 2008، أو قل إن هذه الأزمة هي إحدى تجلياته ونتائجه، ومن ثم فإن أي رئيس جديد يغازل الناخبين دائما بالتأكيد على “العدالة الاجتماعية” وإتاحة الفرصة الكاملة لجميع طبقات الشعب بلا استثناء للترقي في السلم الاجتماعي – الاقتصادي، وهي السمة المميزة تاريخيا للولايات المتحدة بل والحلم الأمريكي الدائم، الذي يداعب مخيلة الشباب في العالم لا سيما المهاجرين.
الخبرة أم التغيير؟
لكن، على الجانب الآخر لا يملك أي مرشح محتمل للرئاسة أن يتخذ قرارا مسبقا ومتعديا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، لذلك يرى بعض المحللين هنا أن خطاب أوباما الأخير في قاعدة “ويست بوينت” الذي حدد ملامح السياسة الخارجية الأمريكية، أعفى كلينتون من مهمة شديدة الصعوبة ومهد الطريق للمرشح القادم عموما، خاصة هيلاري كلينتون المرشحة من قبل الحزب الديمقراطي، وكانتولا تزال جزءا أصيلا من المطبخ السياسي الحاكم، ناهيك بأن الناخبين الأمريكيينلا يهتمون كثيرا بالشؤون الخارجية في خطاب المرشح الرئاسي بقدر ما يهتمون بكل ما هو شخصي وبرجماتي وله علاقة مباشرة بحياتهم اليومية التي يعيشونها من فرص عمل وتأمين على الحياة والأسرة والأطفال.
هيلاري كلينتون نالت إعجاب الناس في أول مقابلة تلفزيونية، إذ قالت: أريد أن يشعر الأمريكيون أنهم في قلوبنا، وأن المهمة الكبرى اليوم هي: كيف سنتعامل بعضنا بعضا في المستقبل، الذي هو مستقبل أطفالنا وأحفادنا أيضا، هذا يعني أن نكون أكثر رحمة وتعاطفا وتضامنا وتفهما.
وهو خطاب عاطفي يعرف كيف يلامس مشاعر الأمريكيين جيدا، لكن لغته ليست هي اللغة المعروفة عن كلينتون والتي كانت تستخدمها عندما تتحدث بحدة عن العلاقات مع أوكرانيا أو روسيا أو الصين أو أيا من الدول في العالم الخارجي!يبقى السؤال معلقا حتى 2016 هل يختار الناخب الأمريكي “الخبرة السياسية” أم “التغيير والتجديد”؟ وهو نفس السؤال الذي واجهته كلينتون في 2008 وانسحبت أمام أوباما، ومن حسن الحظ أنه لا يوجد أمامها أوباما آخر، ولكن سيدة أخرى هي اليزابيث وارن التي ارتفعت أسهمها أخيرا في السباق الرئاسي حين انتصرت للعدالة الاجتماعية هاجمت “عدم المساواة” والمصرفيين ومديري البنوك والطبقة الثرية المتنفذة، وهي مثل هيلاري كلينتون امرأة أي أن الميزة النسبية لهيلاري كأول امرأة تحكم أمريكا في التاريخ أصبحت متعادلة تماما، وقد صدر كتاب جديد لوارن أيضا بعنوان “اقنتاص الفرصة”، وهو قد يكون اسما على مسمى وليس صدفة حيث قالت إنها تدرس بالفعل فكرة تحدي كلينتون للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لها في انتخابات 2016 وإن كتابها هو جزء أصيل من هذا السباق.
وجها العملة
اللافت للنظر أن الناشر “سايمون وشوستر” استغل بذكاء المنافسة بين الكتابين فقد استبق كتاب أو مذكرات كلينتون بالإعلان عن بعض تفاصيل الخيارات الصعبة، وحتى الغلاف عن طريق نشر كتاب اليزابيث وارن، وللقارئ مطلق الحرية بعد أن يشتري الكتابين ويطلع عن مضمونهما، أن يقرر إلى أي من السيدتين يمكن أن يمنح صوته الانتخابي في 2016.
جميع المؤشرات هنا في أمريكا تؤكد – حتى كتابة هذه السطور – أن وارن ستخسر أمام كلينتون، رغم تراجع شعبيتها العام الماضي، وحسب أحدث استطلاع لشبكة “سي بي أس” الإخبارية والنيويورك تايمز “فبراير الماضي” حول ترشيحات الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية في 2016، حصلت هيلاري كلينتون على 82% بينما حازت اليزابيث وارن على 22%، أما نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن فقد حصل على نسبة أعلى من وارن للدخول في سباق الرئاسة 42 %، ما يعني أن حظوظها في الترشح قليلة جدا.
اللعبة الديمقراطية تمثلت في الرسالة “الشعبوية” اليزابيث وارن التي غازلت بها حماس الناخبين وتطلعاتهم، والتي يتم دراستها جيدا الآن من قبل دهاقين الحزب الديمقراطي، أضف إلى ذلك استقطاب المرأة الأمريكية من قبل الحزب وهي قوة ضاربة لا يستهان بها، وكله يخدم في النهاية على ترشيح أول امرأة هيلاري كلينتون، التي تواجه معضلة ذات حدين:أن تكون “ ليبرالية “ في الداخل تؤمن بالمساواة والتعددية عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد والقضايا الداخلية، وأن تكون “صقرا” في الخارج لتضيع الفرصة على مرشحي الحزب الجمهوري المنافس.
وعندما دخلت القوات الروسية “شبه جزيرة القرم” قارنت هيلاري علنا بين موقف بوتين وهتلر ودعت إلى مقاطعة السوفيت، فهل هذا ما ستعمل به حين تصبح أول امرأة ترأس للولايات المتحدة؟