الأسرى الفلسطينيون.. رحلة عذاب لا تتوقف

لا يمكن وصف ما تعرض له الشعب الفلسطيني من ظلم ومآس منذ احتل اليهود أرض فلسطين وقتلوا وشردوا أهلها، والغريب في هذا الصراع أنه يتميز عن غيره من الصراعات التي عرفتها الشعوب على مدى التاريخ، فمع الزمن يكسب الاحتلال شرعيته ويفقد الضحية حقه في أرضه بل في مقاومة المعتدين، فمجرد التعبير عن الإحساس بالظلم يعتبر معاداة لـ»السامية» ولذلك صاحبها يجرم بـ»القانون» في «القوانين» الغربية.
وما يميز هذا الصراع أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في عالمنا اليوم التي تستبيح شعبا وتحاصره وتقتل من أبنائه أو تعتقل كيفما ومتى ما شاءت، وكل ذلك يدخل في باب الدفاع عن النفس وحماية أمن إسرائيل، ولكن الشطر الغائب من هذه المعادلة هو أن الفلسطينيين ليس لهم حق في الأمن وليس لهم الحق في الدفاع عن أنفسهم.
وبناء على هذه المعادلة الظالمة تعتقل إسرائيل يوميا ما بين 10 إلى 20 مواطنا فلسطينيا تختطفهم من غرف نومهم وليس في مواجهات عسكرية! والذين تعتقلهم إسرائيل تقسمهم إلى قسمين: فئة المقاومين وهؤلاء تسميهم إسرائيل المخربين ثم تطور اسمهم مع ما عرف بالحرب على الإرهاب إلى «إرهابيين»، وهناك فئة أخرى تسمى بالمعتقلين الإداريين، وهم الذين لم تسجل عليهم إسرائيل ضلوعا مباشرا في أعمال المقاومة وهؤلاء يعتقلون لفترات طويلة تمدد باستمرار ولا «يحاكمون» ولا يطلق سراحهم.
أما المجتمع الدولي فلا يحرك لكل ذلك ساكنا، وفي أفضل الحالات يصرح الأمين العام للأمم المتحدة بأنه يجب تقديمهم لمحاكمة عادلة أو إطلاق من لم تثبت عليه تهمة، وبهذا التصريح يشرع المجتمع الدولي لإسرائيل سلوكها العدواني وظلمها للفلسطينيين، فمتى كان يحق للسارق أن يتصرف كيفما شاء في البيت الذي دخل لينهبه؟
وانطلاقا من هذه الوضعية لجأ المعتقلون الإداريون لمعركة الأمعاء الخاوية فأضربوا عن الطعام منذ أكثر من 50 يوما في محاولة لإيصال صوتهم لمن كان له قلب أو ضمير، ولم ترحمهم إسرائيل فبدأت بالتغذية الإجبارية عن طريق الأوردة! ولنا أن نتصور حجم الألم والإهانة عندما ينقل الأسير إلى المستشفى بين الحياة والموت فيجبر على التغذية بالمحلول وهو مكبل الأيدي والأرجل.
وترافق هذا لإجراء مع موافقة الحكومة الإسرائيلية على «قانون» يحظر العفو عن الأسرى الفلسطينيين المحكومين بـ»المؤبدات» ضمن أي تبادل لأسرى.
والمظهر الآخر من هذه المأساة أن الذين يعتقلون ليسوا مقاومين بالمعنى العسكري، فقد تمكنت إسرائيل من تفكيك البنية التحتية للمقاومة في الضفة الغربية بسبب تعاون الأجهزة الأمنية الفلسطينية، إذ لم يعد في الضفة الغربية أي مطلوب لإسرائيل، فالذين يعتقلون هم أشخاص يظن أنهم ربما يفكرون يوما ما في الانخراط في المقاومة.
ورحلة الأسير تبدأ قبل دخول جنود الاحتلال إلى منزله، حيث يحرك الإسرائيليون عادة ما لا يقل عن عشرين آلية لتحاصر المنزل المستهدف من كل الجهات، وتبدأ بكسر الأبواب بعنف في وقت متأخر من الليل، وتضرب وتروع سكان البيت من أطفال ونساء وتعتدي بالضرب المبرح على المعتقل أمام ذويه دون رحمة ولا شفقة، ويعصبون عينيه ويقيدون يديه خلف ظهره، وينقل إلى الجيب العسكري حيث يضرب طول الطريق قبل الوصول إلى مرحلة التحقيق التي يعامل فيها معاملة لا يعامل بها الحيوان، وهذه نماذج من رحلة العذاب الشاقة للأسرى الفلسطينيين.
الأسيرة فتنة مصطفى أبو العيش، من سكان نابلس، تبلغ من العمر 21 سنة، معتقلة منذ تاريخ 21/7/2006، أفادت أنّها اعتُقِلت خلال سفرها من «تل أبيب» إلى نابلس، وأضافت: «مباشرة أدخلوني لمطعم قريب من المكان وفتشوني على يد شرطيات، وبعدها قيدوني بقيودٍ حديدية واقتادوني لمركز شرطة بتل أبيب وبدؤوا يستجوبونني ويسألونني عن أشخاصٍ لا أعرفهم. وأمضَيْت تقريباً ساعة ونصف الساعة وبعدها أخذوني لمعتقل بيتح تكفا وكان ذلك حوالي الساعة العاشرة مساءً، وأدخلوني مباشرة للتحقيق، واستمرّ التحقيق معي حتى الساعة الخامسة صباحاً، طلبت أنْ أشرب الماء خلال التحقيق فرفض المحقّقون ذلك ومنعوا عني كلّ شيء حتى استعمال الحمام».
وتابعت: «خلال التحقيق ربطوني بالكرسي فوضعوا يديَّ للخلف وربطوهما، وقيّدوا رجليَ بالكرسي، واعتدوا بالضرب على رأسي ووجْهي، وبعد انتهاء التحقيق كانوا يرمونني على الأرض ويقوم أحد المحقّقين بضربي على بطني، كذلك قام أحد المحقّقين بلكمي على عيني بيده فتورمت وحتى اليوم هي منتفخة».
وتضيف: «في اليوم الأول من التحقيق أنزلوني إلى الزنزانة مدة ساعة واحدة، ومن ثم أعادوني للتحقيق الطويل واستمرّ ذلك 13 يوماً متواصلةً والضرب كان مستمراً كل يوم، بالإضافة إلى الشتائم القذرة».
وتقول الأسيرة أيضاً: إنه لم يُسمَح لها بالاستحمام خلال 13 يوماً من التحقيق.
الأسير مصطفى رماحة، من سكان نابلس يبلغ من العمر 21 سنة، معتقل منذ 9/7/2006 في معتقل «بيتح تكفا. يقول عن اعتقاله: داهمت قوات الجيش المنزل وجمعوا أهل البيت بجانب الباب، ونادوا عليه.
ويضيف: «قيّدوني بالبلاستيك إلى الخلف، ونقلوني إلى معسكر حوارة القريب من نابلس».
ويقول:»عندما وصلت حوارة فتّشوني عارياً، وعندما حاول الجنديّ إزالة العصبة عن عينيَّ بالشفرة، شطب يدي ونزفت الدماء ولم يعطِني أيّ شيء لإيقاف الدم، فقمْت بمسحه بلباسي الداخلي، حيث اعتقلوني وأنا (بالشباح)، ورفضوا أنْ ألبس ملابسي عند الاعتقال».
ويضيف:»أمضيْت في حوارة ساعاتٍ وبعدها نقلوني إلى بيتح تكفا، حيث فتّشوني عارياً ونقلوني مباشرةً إلى التحقيق. بقيت أوّل يومٍ في التحقيق لغاية الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، أحد المحقّقين طلب مني أنْ أجلس على جهاز فحص الكذب وكانت النتيجة سلبية، بعدها هدّدوني باستعمال التحقيق العسكري. وفي اليوم التالي نقلوني إلى تحقيق المسكوبية حيث كان عدد المحقّقين ثلاثة، كانوا يشدّون القيود على يديَّ بإحكامٍ وكانوا يحضِرون منشفة ويشدّون القيود بشكلٍ مؤلم جداً» وأجلسوني على كرسيّ حيث إنّ ظهر الكرسي بجانبي أيْ بعكس ظهر الكرسيّ، ويكون ظهري بالهواء ويداي مقيدتان ورجلاي مقيدتان بشكلٍ تكون كلّ رجلٍ مقيّدة برجل الكرسي الثابت بالأرض، وكان المحقّق يضغط على صدري ويُرجِع ظهري إلى الخلف إلى أنْ يثني كلّ ظهري للخلف ورأسي يضرب بالأرض، ويستمر الوضع لساعات طويلة».
ويضيف أن المحقّقين استعملوا معه أسلوب القرفصاء، وهي الجلوس بشكلٍ منحنٍ على ركبتيْن دون أن تصلا إلى الأرض مما جعل رجليه تتخدّران.
وبعد ذلك تم إرجاعه إلى «بيتح تكفا» حيث ما زال يقبع هناك لغاية اليوم. وقال: «عندما وصلت (بيتح تكفا) أمضَيْت ساعتين في غرفة التحقيق مقيَّد اليدين والرجلين بالكرسي الثابت بالأرض، وبعد ذلك نقلوني إلى غرفة تحقيقٍ وأعادوا التعذيب الذي تعرّضت له في المسكوبية، ولكنْ بشكلٍ أصعب «.
والسؤال المطروح هو:هل تستطيع الأمة أن تفعل شيئا لمساعدة هؤلاء المستضعفين؟ وإذا كان الواقع على الأرض لا يعطي فرصة لنجدتهم فلماذا لا تتحرك الأمة على مستوى الجبهتين السياسية والقانونية؟ أليس بالإمكان إرسال رسالة إلى الغرب لتنبيهه إلى خطأ منهج الكيل بالمكيالين عندما يتعلق الأمر بإسرائيل؟.