نوازل الرموش وتشقير الحواجب!

حصدت (الرموش) أعلى المراتب في فتاوى النساء، حسب ما رصدته مؤسسة فقهية (نشرته صحيفة الحياة)، حيث تجاوزت الأسئلة التي تستفتي عن حكم (الرموش الاصطناعية) –لأول مرة ربما- السؤال عن حكم (تشقير الحواجب)، السؤال الأشهر في برامج الإفتاء، وسبب شهرة سؤال حكم عن (تشقير الحواجب) قبل أن يتقدم عليه سؤال (الرموش) هو تكرار السؤال. فالسؤال تُعيد المرأة طرحه على المفتي عندما يسمع عن هذا المفتي أنه ممن يرى إباحة ذلك، وتجد بذلك مخرجاً من فتوى سابقة حرّمت الأمر على إطلاقه، فيما المفتون بشكل عام يفتون بالرأي الذي يرجحونه دون تطرّق للآراء الأخرى التي تنظر له من زاوية أُخرى. المرأة عندما تسمع الرأي الذي يميل للإباحة تطمئن ولو من باب القاعدة ذات الخصوصية المحليّة (خل بينك وبين النار مطوّع)، والوصول للاطمئنان من المُفترض أن يؤدي لخفوت طرح السؤال مرة أخرى، لكن (الرجل) يأبى أن تمضي المرأة مطمئنة، فخشية عليها من الضلال يتطوّع لطرح السؤال من جديد مع انتقاء الشيخ الذي يُطرح عليه السؤال، إذ لا بد أن يكون من أولئك الذين يأخذون بالرأي المُحرم، ويلجأ السائل لصياغة السؤال بطريقة مُلفتة تتجاوز طلب الحكم الشرعي عن الحالة إلى طلب رأي في المُفتي الآخر (المتساهل) والمُميّع للدين حسب رأيه، إذ تكون صياغة السؤال: ما رأي فضيلتكم في من يرى إباحة (تشقير الحواجب) الذي تقوم به النساء (للتشبّه بالفنانات الكافرات) و(وصل) الرموش الذي لا يخفى على فضيلتكم ما ينطوي عليه من تزوير وتدليس؟
هل سبق أن رأيتم سؤالاً أكثر براءة من هذا؟
بعد أيام سيعود رمضان، وستعود معه نفس الأسئلة الكونية التي نرددها كسؤال عن حكم (بلع الريق)، والعطر، ومعجون الأسنان للصائم، وسنسمع نفس الإجابات وكأنها المرة الأولى، فنحن لا نسأل لغرض المعرفة وإنما لتعزيز قناعة سابقة، فنحن لا نعرف كيف نسأل بقدر ما نعيد صياغة أسئلة قديمة، لأن الأسئلة في ذاكرتنا الجمعية مرادفة (لقلّة الأدب) أو في أقل الحالات هي نوع من (اللقافة)، فالطالب في المدرسة عندما يكون فقط (يستمع) ولا يتكلم إلا عندما يسأله المدرس هو (شاطر ومؤدب)، على عكس الطالب الذي يكثر من الأسئلة ويستفسر من معلمه عن كل شاردة وواردة، فهو بالضرورة (مشاغب وكسول)، فهو كثيراً ما يقاطع معلمه و(يزعجه) بإعادة جزئية (لم يفهمها) وهذه وحدها كافية ليصفه معلمه -الذي يرى أن ذلك من (خوارم التبجيل) – ليصفه بقلّة الفهم، وأنه أقل من أولئك الصامتين الذين (بالضرورة) فهموا و(اقتنعوا) بما يقوله معلمهم!
وهذا ما رسّب لدى المجتمع الخوف لدرجة (الفوبيا) من طرح الأسئلة وخصوصاً ما يختص منها بالدين، فتجد أن الجميع يحذرك من مناقشة أمور الدين وأنت غير متخصص بها، بل إنك أحياناً تجد من يحذرك من ذلك هو متخصص في الشريعة أو أصول الدين، وكأنه -من حيث لا يشعر ربما- يخاف أنك قد تجعله (بينك وبين النار)، ثم يعظك بالمقولات التي أخدت طابع المسلمّات كالمقولة الخالدة الشهيرة (من تكلم بغير فنّه أتى بالعجائب) التي توحي لك بأن ما تقرؤه شيء وما يجب أن تسمعه وتطيعه من (أهل الفن) شيء آخر، لتعود من جديد للسؤال عن البديهيات، وبعد أن تجد الإجابة تعود مرة أُخرى لتسأل من يرى رأياً مخالفا للإجابة الأولى، ثم تعود ثالثة لسؤال الآخرين عن أي الشيخين أكثر علماً وثقة لتأتيك إجابة أن فلانا جامي مجامل، وفلانا سروري مُميّع، وإن الشيخ فلانا ألجم فلانا..
وفي النهاية حتى وإن وضعت بينك وبين النار (مطوّعا) فلا تضع بينك وبين خالقك أحداً!