حتى يؤدي السجن رسالته
الجمعة، ١٣ يونيو ٢٠١٤
حق المجتمع في أن يصان أمنه من أن يعبث به الأفراد الخارجون على القانون حق أصيل تقر به الأديان والقوانين، ولذلك سنت العقوبات الرادعة لكل فعل خارج عن القانون، ومنها العقوبة السالبة للحرية (السجن) وهذه العقوبة تهدف في حقيقتها إلى تحقيق نتيجة مزدوجة تمكن في الحد من سلوك الجاني وحرمانه من حريته بحبسه في السجن اتقاءً لوقوع أعمال أو ممارسات خارجة عن القانون تمس بأمن المجتمع من جهة ولإعادة بناء شخصيته وتأهيله ليعود عضوا نافعا لمجتمعه من جهة أخرى.
إلا أن الوصول إلى هذه النتيجة لا يمكن أن يترك للصدفة ليتحقق، إذ إن وضع الجاني أو الخارج عن القانون بالسجن ليس بكاف وحده لتحقيق الهدف من العقوبة، بل لا بد من توفر الأسباب والوسائل الموصلة إلى ذلك، وذلك عن طريق ما يعرف بالسياسة الجنائية والتي لا يقتصر هدفها على صياغة قواعد القانون الجزائي، بل إلى الإرشاد إلى الإدارة المكلفة بتطبيق ما قد يحكم به القاضي على الجاني من عقوبة وهذا الجزء من السياسة الجنائية والذي يسمى بالسياسة العقابية، هو الذي يسعى إلى الوقوف على الكيفية التي ينبغي بها مواجهة الظاهرة الإجرامية في مرحلة التنفيذ العقابي، بما يكفل تحقيق أهداف المجتمع في منع الجريمة أو تقليصها. ونجاح سياسة مكافحة السلوك الإجرامي يتوقف في نهاية الأمر على أساليب وطرق المعاملة المتبعة داخل السجن وخارجه وقدرة تلك الأساليب على إعادة تأهيل المجرم وتحقيق الردع العام والردع الخاص وبالتالي الحد من معدلات الجريمة في المجتمع. وذلك من خلال أساليب معاملة السجين، سواء أكانت داخلية كالتصنيف والتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية والعمل أو خارجية بعد انقضاء العقوبة كالوضع تحت الاختبار والرعاية اللاحقة.
وعلى هذا الأساس فإن الأساليب التي يجب أن تتبع لإعادة تأهيل السجين قبل إخراجه من السجن ليكون عضوا نافعا وفاعلا في مجتمعه بل هي في الأصل حقوق للسجين والتزام على المؤسسة العقابية يجب عليها أن تقوم بتوفيرها وتهيئة السبل إلى تمتع السجين بها ويأتي على رأسها التعليم، وذلك لما للعلم من أثر على صاحبه من حيث الأدب والتزكية والخشية والبذل والعطاء وإعمالاً لهذا المبدأ أقر حق السجين في الثقافة باستحضار الكتب أو الصحف والمجلات المصرح بها وكذلك حقه في مواصلة التعليم سواء في داخل السجن أو بالانتساب، وذلك لما للعلم من أثر على شخصية السجين حيث كشفت دراسات في علم الجريمة والإجرام عن وجود علاقة بين الأمية والجريمة فكانت الدعوة إلى تعليم السجين لأن من أثر العلم على السجين أنه يسهم في استئصال السلوك الإجرامي، وينمي القدرات ويوسع المدارك، ويساعد على التفكير المتوازن والرصين والحكم على الأشياء وتقدير العواقب، ويدفع السآمة والملل، ويؤهل للحصول على مصدر للدخل بعد مغادرة السجن، ويملأ أوقات الفراغ، وينمي المبادئ والقيم الدينية والأخلاقية، ويرفع الجهل والغفلة والتفكير الخاطئ، ويكون ثقافة الوعي بالحقوق والواجبات،ويعرف السجين بمهمته ورسالته في الحياة.
وتأتي بعد ذلك العناية بالجانب الصحي للسجين فمن المعلوم أن هذا الجانب يقتضي بالضرورة تناول مجموعة من الجوانب المرتبطة به، حيث إن ظروف السجن وبيئته لا يمكنها أن تتلاءم بحال من الأحوال مع الظروف العادية الخارجية، ولذلك فإن صحة السجناء سواء الجسدية أو العقلية معرضة للاختلال بصورة أكبر من المواطنين العاديين نظراً لظروف السجن وسلوك السجناء أنفسهم، ولذلك فإن الرعاية الصحية للسجين يجب أن تتحقق داخل السجن بأساليب متعددة سواء الوقائية أو العلاجية.
والحقيقة أن ثمة أساليب أخرى لا تقل أهمية عن ما سبق ذكره ولعل الأهم منها هو ضرورة أن يكون هناك تصنيف بين السجناء داخل السجن بحسب السن ونوع الجريمة، إذ إن الجمع بين السجناء دون أن يكون لهذا التصنيف اعتبار من شأنه أن يخل برسالة السجن ويعمل على نشر ثقافة الجريمة، ذلك أن علم العقاب علم يهدف إلى القواعد المثلى لمعاملة السجين ومن ثم إعادة تأهيله ليعود عضوا نافعا في مجتمعه فالعقوبة قبل أن تكون جزاء للجاني هي فن يجب أن تتقن المؤسسات العقابية تنفيذه.