التنمية وعربة الكرو
الأربعاء، ١١ يونيو ٢٠١٤
(التنمية)، هي الكلمة السحرية، التي يعهد إليها المواطن طموحه وتطلعاته لحياة أفضل، توفر له ضرورات حياة كريمة، ورفاهية لا تصل درجة الترف، بوصفها منظومة خدمات متطورة ومشروعات حيوية، ورؤى وخطط مستقبلية، تسعد حاضره ويأمن بها على مستقبله ومستقبل أبنائه وأحفاده.
هذه التنمية تقتضي إدارة تسيِّرها وتنظم مراحلها وتحدد المسئوليات تجاهها، وتراقب سيرورتها، بحسب ما جاء في كتاب (التنمية وعربة الكرو) لمؤلفه الدكتور إبراهيم العواجي، الذي قرأ واقع التنمية وطرائق إدارتها في بلادنا من خلال منظورين، الأول: تخصصه الأكاديمي في هذا المجال المعرفي/ الإدارة، الذي حصل فيه على درجة الدكتوراه عام 1971م. والثاني: موقعه القيادي في وزارة الداخلية الذي قضى فيه ربع قرن.. وقد أتاح له المنظور الأول التعاطي مع قضية التنمية وإدارتها في بلادنا، بشكل منهجي على ضوء نظريات هذا العلم وركائزه ومعاييره العلمية.. بينما أتاح له المنظور الثاني، قراءة تجليات ومسالك التنمية في بلادنا وواقعها الفعلي، محاورها الرئيسة، ومفرداتها التفصيلية، في سياق طرح فيه الكثير من الجرأة العلمية والمكاشفة المنهجية والحس الوطني الصادق، فهو يسمِّي الأشياء بمسمياتها، ويحلل الظواهر، ويقيس ويصف نتائجها، من المعطيات، إلى المعالجة والممارسات، إلى المخرجات ومستواها، وهو مستوىً بقدر ما يشي بالإحباط والبؤس، بقدر ما يحمل صدقاً متناهياً يفسر لنا العديد من الحالات والظواهر التي تثير الأسئلة؛ إرادة سياسية عليا تضع مصلحة الوطن والمواطن في مقدمة أولوياتها، وثروة مالية هائلة كان بالإمكان توظيفها لتحقيق تطلعات القيادة والمواطن، وإدارة تنفيذية عهد إليها بتلك المهمة؛ فإذا هي تسير كعربة الكرو، ببطئها وبدائيتها وصولاً إلى ترهلها فعجزها. وتنتظم أطروحات الكتاب في حوالي عشرين موضوعاً، متفاوتة المساحة الكمية ومتناسبة النوعية، مثل: (الإداري والتنمية، الإصلاح الإداري، القيادات الإدارية، مراكز القوى، الخطط الخمسية، الروتين، المركزية، الإدارة المحلية، المؤسسات العامة، أجهزة الرقابة، ظاهرة اللجان، مقاومة التغيير).
وتنتظم في سلك هذه العناوين، أفكار المؤلفات ورؤيته، وقراءته لحال التنمية وإدارتها ومخرجاتها. ومع انتماء هذه المفردات والعناوين إلى حقل الإدارة، فإن طرحها وفق الكتاب قد جاء من خلال واقعها التطبيقي وأشكال ممارستها، واعوجاجها التنظيمي وتواضع مخرجاتها التي لا زالت في كثير من الأحيان دون الحد الأدنى من التطلعات، ويقدم لذلك نماذج مما يمكن عدُّه مظاهر أو ركائز تنموية، كالمدن الصناعية التي تمثل من وجهة نظره (مثالاً على عجز الإدارة العامة، فقد كانت عند إعلانها تمثل حدثاً اقتصادياً وتنموياً كبيراً بإمكانها لو بلغت أهدافها أن تكون ركيزة صناعية جديدة، كأرامكو وسابك، ولكن بعد مرور سنوات على إنشائها لا يزال بعضها يزحف
ولا يستطيع أن يقف، والبعض ظلت مشاريع شبه ورقية).
ويتحدث عن الهيئة العامة للاستثمار، التي كانت قد تحدثت عن (توظيف خمسمائة ألف مواطن في رابغ فأين هم؟ ثم نعود لنتائج الهيئة العامة للاستثمار التي أنشئت لجلب التقنيات والمعارف الصناعية الكبيرة، فماذا أثمرت غير تحويلها الورش البدائية بمدن المملكة إلى كيانات استثمارية أجنبية).
ويتحدث عن قيام وزارة المالية بتنفيذ مشاريع مثل جامعة نورة ومشاريع توسعة الحرمين الشريفين، بينما مسئوليتها هي إدارة الإيرادات والمصروفات للدولة ويرى (أن ذلك دليل على الفوضى التنظيمية التي تعاني منها الإدارة الحكومية)، وفي قضية القيادات الإدارية يتحدث عن الاحتكار المناطقي للمناصب القيادية والتنفيذية العليا، ويرى أننا (بعملية حسابية نستطيع أن نحدد المناطق أو المدن التي لا زالت مصدر الاختيار،ويهيمن أبناؤها على مراكز حيوية قيادية رغم توفر الكفاءات بكثافة في كل مناطق المملكة).
ومع تنوع أمثلة ومجالات هذه الإخفاقات في الأداء التنموي وإدارته التنظيمية والتنفيذية؛ فإن المؤلف يلم في طرحه لها بمعطياتها ومحركاتها وحواضنها، ويمس عصب بنيتها الواهنة، وصولاً إلى مظاهرها الواضحة التي يشاهدها كل ذي بصيرة.
وقد توقف عند نماذج وأمثلة كثيرة تعكس ذلك وتدل عليه، وفق العناوين التي عرضنا إلى بعضها آنفاً. وتميز طرحه بصياغة أسلوبية حيوية ومباشرة. تحقق شرط المتلقي والباحث المتخصص في هذا المجال، وتتناغم مع إدراك ومستوى فهم القارئ العادي. والكتاب وإن لم يكن الأول في موضوعه، فهو من الكتب النادرة، وفق المنظورين اللذين قارب من خلالهما الكاتب معوقات وإخفاقات التنمية في بلادنا.