الفتوى وأثرها في ضبط الصناعة المالية الإسلامية
الثلاثاء، ١٠ يونيو ٢٠١٤
توسعت الصناعة المالية الإسلامية وتشعبت منذ انطلاقها قبل نحو أربعة عقود وحققت إنجازات ملموسة وأبلت بلاء حسنا في جوانب معينة لكنها تقاعست أو أخفقت في جوانب أخرى ومع الزمن اتسعت منطقة الإخفاقات واستبعدت الأبعاد الأخلاقية التي هي أبرز ما يميز الصناعة المالية الإسلامية.
فقد شغل بعض أهل الصناعة بأرقام النمو ومضاعفة الأصول والانتشار الجغرافي والهالة الإعلامية عن ترسيخ البناء وإزالة ما به من تشوهات التي كانت هما في مرحلة معينة وأصبحت اليوم أمرا عاديا ألفه الناس ونزع كثير من أهل الصناعة إلى إبراز إنجازات ظاهرها النجاح، لها بريق يغري لكن في باطنها وتفاصيلها المرارة والخداع.
وأصبحت البنوك الإسلامية أو بعضها في منطقة برزخية لا هي إسلامية ولا هي تقليدية ولجأت إلى المحاكاة والتقليد وطرحت جانبا الأخذ بالعزائم وحاد بعضها عن المنهج الذي قامت عليه وعوضت القصور في هذا المجال بالتبرير والحيل. ولذلك حذر الشيخ صالح كامل من الركون إلى الحيل:
»إننا عندما نرفع شعار تطبيق الإسلام في المعاملات المصرفية نكون قد ألقينا على عواتقنا التزاما بأن النهوض بمقتضيات ذلك الشعار وألا نهن ولا نضعف أمام كل العقبات والمشكلات التي تواجه التطبيق الحي لإسلامية المعاملات المالية الإسلامية وألا نركن للتبريرات والحيل والرخص وأن نأخذ بالعزائم ما استطعنا.«
يقول الدكتور عبد الله القرشي:
»إن الحيل كالوادي السحيق، له ضفتان ولجة. أما ما وقع التشابه فيه بين الطرفين أحدهما يشبه المقترض، كالصورة المشهورة من العينة والتورق المصرفي فإنه من لجة الوادي وهو أولى ما يدخل في باب الحيل الربوية المحرمة. وإن وقع التشابه من طرف واحد، كما هو الحال في تشابه المشتري والمقترض في بعض صور التورق البسيط وعدم تشابه البائع والمقرض حين يكون البائع من أهل التجارة على الحقيقة فتلك ضفة الوادي من جهة (المشتري/المقترض)، وضفته الأخرى حين يقع التشابه من طرف واحد وهو (البائع/المقرض) كما هو الحال في بعض صور المرابحة للآمر بالشراء حتى حين يكون المشتري يقصد السلعة قصدا حقيقيا للانتفاع أو التجارة.
إن ما يقع فيه التشابه من الطرفين قد اكتملت فيه الحيلة وانعقدت في باطنه العقدة الحرام، وهو من الحرام البين في نظري. أما ما وقع التشابه فيه من طرف دون آخر، فإنه من المشتبهات، وأجبن عن تحريمه لا سيما وقت الحاجة الملحة، والاحتياط تركه. ويجدر التنبيه أن بعض صور المرابحة للآمر بالشراء وبعض صور التورق وما في حكمهما يكون فيه تشابه من الطرفين فيأخذ حكم الأول»
وإن حصل شيء من البحث والتجديد والابتكار فذلك يكون في الغالب من باب المحاكاة والتقليد لمنتجات تقليدية بعد أن تلبس لبوسا (إسلاميا) وما هو كذلك في حقيقته وشجع على ذلك جرأة بعض الخبراء الذين تحولوا إلى الإفتاء والتحليل والتحريم، يقول الشيخ عبدالله بن بيه:
«إلا أن بعض الخبراء أجلبوا عليها برجلهم فارتجلوا حلولا وأصدروا أحكاما لا رأس لا ولا ذنب ولا أم لها ولا أب خرجت من معايير القياس والاستصلاح فاستنوق البعير واستبحر الغدير حتى خلت من أهلها الأطلال».
وظهرت المجامع الفقهية وأنجزت إنجازات مهمة في تصويب وتقنين الفتوى لكنها لم تصل إلى النجاح المطلوب يقول الشيخ عبد الله بن بيه:
«... وقد انكمشت بالمقابل الملكة الاجتهادية في الفقه حين أصبحت الدراسة سلقا سريعا يلتهمه الطلاب كالوجبات السريعة وهم في صدود وصدوف وقد اكتفوا عن اللؤلؤ بالأصداف، فخلنا المجامع الفقهية البلسم الشافي والترياق الصافي في الاجتهاد في القضايا الكبرى التي أرهقت الأمة من أمرها عسرا».
وقضية الفتوى اليوم من أخطر ما تواجهه الصناعة بسبب الفوضى وعدم الضبط يقول الدكتور عصام بشير:
«إننا نعيش في فوضى عامة في مجال الفتوى، حيث نجد من ليس له أي مؤهل علمي قد وظف نفسه للإجابة عن أسئلة الناس من خلال هواتف تجارية من أجل الحصول على المال.. ونجد من الناس من يجلس على شاشات التلفزيون ليفتي الناس في كل ما يسألون عنه في مسائل لو سئل عنها عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع أهل بدر ولو سئل عنها الإمام مالك إمام دار الهجرة لقال فيها : لا أدري!«
فالفتوى روح وخلق وسلوك ومقاصد ومآلات قبل أن تكون حذقا وفهما وحفظا ونصوصا وتحليلا وهي لا تستغني عن شروطها الأساسية الكبرى الدين والعلم والورع فضلا عن فهم الواقع.
ومن أوضح الأمثلة على تأثير الفتوى على مسار الصناعة موضوع التورق الذي أثار جدلا واسعا بين الفقهاء وخبراء الصناعة لكنه أصبح عملا منظما فرحت به بعض البنوك »الإسلامية « واستغنت به عن العمل المنتج وركنت إليه وربحت منه أرباحا ضخمة وهي في مأمن من المخاطرة وخنقت به المساكين وأغرقتهم بالديون وأصبح حالهم مثل حال المدمن الذي لا يرى الخلاص والنجاة إلا في الاستمرار في التهام حبوبه ظنا منه أنها هي الدواء والبلسم الشافي ليكتشف بعد فوات الأوان أنها هي الداء وهي ظلمات البحر اللجي وهي السراب بعينه.
واكتفت بعض البنوك بإبراز أسماء 3 من أبرز المشايخ وتوزيع فتواهم بإباحة منتج التورق بعد أن توارى هؤلاء المشايخ عن أنظار الجمهور تاركين الناس فريسة للمصرف يكسب من أسماء المشايخ الذين لم يكلفوا أنفسهم التأكد من صحة تطبيق منتج التورق الذي هو مثار جدل أصلا وهو مطبق تطبيقا «سليما» فكيف به وهو يطبق في الخفاء والظلمات ولا أحد يعرف هل اشترى البنك أو باع أو أن العملية مجرد تمثيل أو قرض ربوي محض سمي باسم آخر.
هذه ليست دعوة للتشديد على الناس فالشريعة جاءت للتيسير خاصة في هذا العصر الذي تعقدت فيه الحياة وأصبح تحسيني الأمس حاجي اليوم وحاجي الأمس ضروري اليوم وليس هذا أيضا دعوة حتى للأخذ بالأحوط فذاك لا يطيقه إلا أصحاب العزائم وأهل الورع، والناس في معظمهم يصيبهم ضعف أو تعثر أمام أبسط امتحان، فالتيسير أولى لكن التيسير ليس هو الحيل المكشوفة والتبرير الذي يعمد إلى تعطيل روح الشريعة ويزين للناس البعد عنها بحجج لا تنهض ولا تستقيم. فالأصل في الأمور الإباحة والضرورات تقدر بقدرها ولا يمكن بناء منهج بالاستثناءات.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : » إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَنَا الرُّخْصَةُ فِي فِقْهٍ، فَأَمَّا التَّشَدُّدُ فُكُلُّ أَحَدٍ يُحْسِنهُ «.
فالأمر يحتاج إلى إعادة نظر أو ربما مؤتمر جامع لقادة الصناعة والفقهاء والجهات الإشرافية لدراسة ما وقع بالصناعة من خلل والاتفاق على مكمن الداء لوصف الدواء قبل فوات الأوان.
وعلى المجامع الفقهية أن تتصدى لهذه الفوضى وتصحح وتصوب، يقول الشيخ عبد الله بن بيه :
» كما أن عليها (المجامع ) أن تراجع فتاوى اللجان (الشرعية) للبنوك والشركات التي لم تحترم ثوابت العقود ولم تفرق بين محرمات المقاصد ومحرمات الذرائع فأحلوا وحرموا وأنجدوا واتهموا والتقطوا عبارات وظواهر عزتها المراجع ولم تسعفها المصادر».