مكي في صحيفة "الجوائب"

لا نعرف كثيرا عن نشأة الصحافة في مكة المكرمة، وكل ما انتهى إلينا لا يعدو أن يكون شذرات يسيرة، إن أنبأت عن طرف من تلك النشأة، فإنها لا تصنع منها حقيقة كاملة نطمئن إليها اطمئنانا كاملا.
ومع ما يلحق هذه النشأة من شح في الوثائق والتواريخ، فإنه سقط إلينا ما يجلو شيئا منها، يقع عليها القارئ أو الباحث على غير إرادة منه، في ترجمة عالم أو أديب، أو في مقدمة لكتاب، أو ما سوى ذلك من ضروب البحث والتفتيش.
ومن تلك النتف التي احتفل لها أهل البحث والتفتيش والتنقيب احتفالا عظيما، ما وقع عليه الشاعر المعمر أحمد الغزاوي من خبر العالم الطائفي المكي عبد الملك بن عبد الوهاب الفتني الحنفي (1255-1332هـ)، في مقدمة المحقق المصري المشهور حسن السندوبي لكتاب «المقابسات» لأبي حيان التوحيدي، وقد خصه بلمعة ذكية من لمعاته، أماطت اللثام عن حياة ذلك الشيخ المهاجر. وفيها نقرأ أن شيخنا المكي الجليل عمل حينا من الدهر محررا في صحيفة «الجوائب» المشهورة، التي أنشأها الرائد النهضوي أحمد فارس الشدياق في إسطنبول.
بيد أن المحقق حسن السندوبي لم يكشف لنا من أمر الشيخ عبدالملك الفتني إلا أنه كان كتبيا في القاهرة، وأنه هبطها فرارا من حر الحجاز، ونعرف لديه أن شيخنا الفتني كان واسع المعرفة، له علم بالمخطوطات ومظانها، وأنه نفحه بمخطوطة نادرة من «المقابسات»، وأنه عمل محررا في صحيفة «الجوائب». وقال الأفندي محمد حسين نصيف: إن من المرجح أن الشيخ عبد الملك الفتني كتب فصولا في «الجوائب»، في أثناء مقامه في القاهرة، أو حين كان في الحجاز.
ابتهج الشاعر أحمد الغزاوي بخبر اشتغال الشيخ عبد الملك الفتني في صحيفة «الجوائب»، ودعاه «الصحفي المكي الأول»، وها أنذا أبتهج، معه، بهذا الخبر العزيز النادر، وأذهب إلى ما ذهب إليه الغزاوي – رحمه الله – وأجعل العالم الجليل الشيخ عبدالملك الفتني المكي «أول صحفي مكي»، وعسى الأيام تكشف لنا ما له من سهم في تلك الصحيفة العظيمة!