هل ثمة ما يقلق في التغيير الوزاري الجديد؟

ما حصل من تغيير وزاري واسع ليس مفاجئا، ومفاجئ في الوقت نفسه، أما كونه غير مفاجئ فلأنه من المعتاد سياسيًّا أن أي رئيس جديد يجلب معه حكومة جديدة يختار وزراءها على عينه ممن يثق في خبرته وقدراته على تحمل أعباء الوزارة؛ لأن نجاح عمل الوزراء أو فشلهم سينسب إلى رئيسها، ومفاجئ لأنه خرج عن المعتاد في تاريخ التغيير الوزاري في السعودية في سرعة التغيير؛ فتولي الملك سلمان وتغيير الوزارة كلاهما تم في أسبوع واحد، والمعتاد أن التغيير الوزاري يتأخر عن تنصيب الملك الجديد بمدة قد تطول إلى سنة، ولا شك أن هذه السرعة يراد منها توصيل رسالة مفادها أن الملك الجديد ستكون له بصمته الخاصة في التعامل مع كثير من الملفات الداخلية والخارجية، وهي ملفات لا تمس ثوابت الدولة السعودية المتفق عليها بين كل ملوك الدولة السعودية، بل هي ملفات تندرج في حيز اختلاف وجهات النظر بين الملك وسلفه الراحل رحمه الله.
ومما يلحظ على التشكيل الوزاري الجديد أربعة أمور؛ الأمر الأول: أنه مع شمولية التغيير وسعته إلا أنه لم يَطُلْ وزارات الخارجية والداخلية والنفط والمالية، وهي من الوزارات السيادية، وهذا يشير إلى ثبات السياسة فيما يخص السياسات العامة للشؤون الداخلية والخارجية وشؤون النفط، والسياسة المالية للدولة على الأقل في خطوطها العريضة.
والأمر الثاني: دخول مجموعة من الشباب في التشكيل الوزاري؛ وهم وزراء الدفاع والعدل والإعلام والصحة، وهذا يشكل سابقة في التاريخ الوزاري في السعودية، ليس في تعيين عنصر شبابي؛ إذ إن ذلك سبق أن حدث كما تم في تعيين الدكتور غازي القصيبي رحمه الله، بل في حجم الكتلة الشبابية التي دخلت التشكيل، وهذا يشير إلى رغبة في إشراك جيل الشباب في إدارة الدولة، والمأمول أن تكون لهم بصمة تحديث، وتفهُّم لمتطلبات الأجيال الشابة؛ وهي تُكَوِّن النسبة العظمى من السكان، فحسب إحصائية مركز المعلومات الوطني بلغت نسبة الفئة العمرية من السكان للأقل من 30 عاما 67% من إجمالي عدد السكان، فيما شكلت نسبة الذكور والإناث لمن هم أقل من 40 سنة نسبة 80%.
والأمر الثالث: التغييرات التي حدثت في الوزارات والإدارات المعنية بالشأن الديني؛ وهي وزارات العدل، والشؤون الإسلامية، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - مع حداثة تعيين بعض مسؤوليها - أزالت الاحتقان في أوساط كثير من المتدينين نتيجة موقفهم من أولئك المسؤولين وخلافهم معهم في طريقة إدارة تلك المؤسسات، وحسب تعبير الأستاذ جمال خاشقجي «وزارتا العدل والشؤون الإسلامية والهيئات، شابها نوع من الاحتقان بسبب صراع التيارات (الإسلامية- الإسلامية)، وليس (الليبرالية - الإسلامية)، وهذا الصراع خَلَق وضعاً غير سليم»، ومثل هذا التوتر والاحتقان من جمهور المتدينين يحدث كثيرًا من وزير من الوزراء، أو مسؤول من المسؤولين لكنه لم يسبق أن شمل كتلة من الوزراء والمسؤولين دفعة واحدة، وبغض النظر عن صوابية ذلك الاحتقان أو خطئه إلا أن رأي الجمهور مؤثر جدًا في مقاييس السياسة.
والأمر الرابع: قرار إلغاء وزارة التعليم العالي ودمجها مع وازرة التربية والتعليم مع حذف مسمى (التربية) كان مفاجئًا، وربما كان القرار الوحيد الذي أحدث قلقًا عامًا لدى قطاع المنتسبين للتعليم الجامعي؛ إذ إن الوزارة الجديدة – حسب موقع (سبق) - أصبحت أضخم وزارة في التاريخ السعودي، بميزانية تجاوزت 217 ملياراً؛ أي ربع الميزانية العامة للدولة، وسينضوي تحت مسؤولية الوزارة الجديدة؛ أي تحت إدارة الوزير (24 جامعة حكومية)، تضم (45593 عضو هيئة تدريس)، بين أستاذ وأستاذ مشارك ومحاضر ومعيد، و(898251 طالبًا جامعيًا)، إضافة إلى (34749 مدرسة)، تضم (501111 معلمًا ومعلمة)، و(5187498 طالبًا وطالبة)، فضلاً عن مؤسسات التعليم الخاص من جامعات ومدارس، وفضلا عن المستشفيات الجامعية، والوحدات الصحية التابعة للجامعات وإدارات التعليم؛ أي أن الوزير الجديد سيكون التابعون لمسؤولية وزارته حوالي سبعة ملايين من سكان المملكة؛ أي ثلث سكان السعودية، وهذا عدد مهول يفوق سكان أي منطقة من مناطق المملكة الإدارية، والإشكال أن الوزارتين وما يتبعهما من جامعات وإدارات تعليم وغير ذلك لديها كم هائل من المشاكل البيروقراطية، والمتطلبات، والاحتياجات، والنواقص، وتعقد الأوضاع، وتشابكها وكل هذا سيكون فوق طاولة الوزير الجديد. فأعانه الله.