دكانة البلد حملة ساخرة لمكافحة الفساد في لبنان

»كل شيء للبيع حتى حقك«، »اشتر شهادة البروفيه (شهادة إتمام الصف التاسع) واحصل على البكالوريا (شهادة التخرج من الجامعة) مجانا«.
هذه اللافتات وغيرها الموجودة في مقر جمعية »سكر الدكانة« (أي أغلق المحل) في منطقة الأشرفية شرق بيروت، تشكّل مقاربة نقدية ساخرة لمكافحة الفساد المستشري في الإدارات العامة بلبنان، والذي أصبح جزءا من »عادات وتقاليد« هذا البلد الصغير.
الجمعية، التي أطلقت حملة «دكانة البلد» في «شارع الجميزة» المعروف ببيوته القديمة والذي تحول إلى نقطة جذب للسهر؛ بسبب انتشار المطاعم والنوادي الليلية، حصدت خلال الأسبوعين الأولين من نشاطها أكثر من 600 تبليغ عن حالات دفع رشاوى في الإدارات العامة بلغت قيمة أكبرها 45 ألف دولار؛ 41% منها في وزارة الداخلية، واللافت في ذلك أن «الرشاوى الأكبر دفعت في السلك القضائي».
و»الدكانة» هو اسم يطلقه اللبنانيون أساسا على البقالة الموجودة خاصة في الأحياء الشعبية والقرى، واختارته الجمعية للدلالة على تحول ظاهرة الفساد إلى أمر عادي في الثقافة الشعبية اللبنانية.
تسلط هذه «الدكانة» الضوء على هذه الظاهرة، التي يتورط فيها البعض كأقصر الطرق لينجز معاملاته.
أما البضاعة فهي بالتأكيد غير تلك التي نجدها في دكانة البقالة، فهي بضاعة غير مألوفة: رخصة سوق بسعر مميز، من دون حاجة لامتحان، شهادة بريفيه، إن كنت رسبت في الامتحان، إفادة عمل لمن لا يعمل، وهوية جديدة لمن يريد التخفي.
أكثر من ذلك، في إحدى الزوايا قسم خاص بالتعيينات والوظائف «بحسب الطائفة»، ولكل وظيفة «تسعيرة».
افتتحت جمعية «سكّر (أغلق) الدكانة»، وهي منظمة غير حكومية هدفها جمع البيانات المتصلة بالفساد في المؤسَّسات الرسمية من أجل بناء علاقة نزيهة بين المواطن والدولة، «الدكانة» للمرة الأولى الشهر الماضي في «شارع الجميزة» لمدة ثلاثة أيام تم خلالها عرض فيلم قصير يلخص حالات وأشكال الفساد في لبنان قبل أن تنتقل إلى مكان ثان في شارع المونو القريب، وهو مقر الجمعية نفسه، على أن تنتقل لاحقا إلى مناطق أخرى.
ولفت رئيس الجمعية، عبدو مدلج إلى أن ثمة «تجاوبا كبيرا» مع الحملة من قبل المواطنين، خصوصا أنه تم التبليغ منذ انطلاقها عن نحو «609 حالات» فساد إداري في المؤسسات العامة، مشددا على أن الفساد ليس مقتصرا على «الرشوة»، بل «يهدم» الإدارات والمرافق العامة.
وقال مدلج إن «الهدف من هذه الحملة تشجيع الناس على التبليغ عن حالات الفساد ودفع الرشاوى عبر أربع وسائل: تطبيق خاص على الهواتف النقالة، الموقع الالكتروني للجمعية، سيارة تنقل ملفّات الفساد من المواطنين إلى أمام المؤسسات الحكومية، وأخيرا عبر الهاتف من خلال خط ساخن».
وأوضح أن الهدف من ذلك «معالجة الآلية المتبعة في إنجاز المعاملات الإدارية»، مضيفا أن «الجمعية تتعامل مع البلاغات بحالة جماعية وليست فردية».
وأشار إلى أن «الجمعية تقوم كذلك بتحديد الإدارات التي تواجه أكبر عدد  من التبليغات، لاستعمالها لاحقا للضغط على الإدارة، ومن ثم تقديم الحل من قبل الجمعية على أمل «الحد من الفساد المستشري».
وكشف مدلج أنه بلغة الأرقام، الشكاوى الـ 609 تساوي نحو «671 مليون ليرة لبنانية (نحو 450 ألف دولار) دفعت كرشاوى، أكبرها وصلت إلى 45 ألف دولار»، مشيرا إلى أن وزارة الداخلية حصدت أعلى نسبة من مجمل عدد الشكاوى والتي بلغت «41% دفعت فيها أكثر من 55 مليون ليرة لبنانية (نحو 36 ألف دولار) كرشاوى».
وتابع مدلج «على الرغم من أن القضاء نال نسبة متدنية من الشكاوى بواقع 6%، إلا أن تلك الشكاوى كانت «الأعلى قيمة، حيث دفع في هذا القطاع 265 مليون ليرة (نحو 180 ألف دولار) كرشاوى».
وأشار إلى أن الجمعية تفتح المجال في موقعها الالكتروني أمام المواطنين لـ»الإبلاغ» عما يواجهونه في المؤسسات الرسمية والوزارات من حالات رشوة وفساد، مؤكدا أن «بنك المعلومات» في الموقع «حصين جدا» ويؤمن «الحماية» لمن يقدم الشكاوى.
وابتكرت الحملة طريقة جديدة لفضح المؤسسات الأكثر فسادا من خلال تخصيص سيارة تحمل اسم الحملة «سكّر الدكانة»، وعندما تحدد الحملة المؤسسة الرسمية التي احتلت المرتبة الأولى من حيث عدد شكاوى الفساد التي طالتها، «يتم إيقاف السيارة أمام مبنى هذه الوزارة كإشارة إلى الفساد الكبير فيها»، بحسب مدلج.
من ناحيته، حذر شكيب قرطباوي، وزير العدل السابق الذي كانت له جهود كبيرة في محاربة الفساد في وزارته والجسم القضائي خلال توليه الوزارة بين 2011 و2014، من أن الفساد تحول لجزء من «عاداتنا وتقاليدنا»، مشددا على ضرورة أن «يضرب القضاء بيد من حديد لوضع حد لهذه الظاهرة».
وأوضح أن «المشكل الكبير» هو دخول الفساد إلى «عاداتنا وتقاليدنا» بحيث تحول إلى مرض «ضربنا جميعا».
لكنه قال إن «التغير بحاجة إلى إرادة مع التخفيف من الطائفية والمحسوبية المنتشرة».