الكراسي العلمية شراكة مجتمعية وقيادة لتنمية مستدامة

لم تكن الكراسي العلمية وليدة عصر النهضة والتطور، بل كانت تجربة عالمية قديمة العهد، وتجربة وطنية حديثة وليدة المهد، فهي بمفهومها عند المسلمين ظهرت بظهور المؤسسات العلمية وحبس الأوقاف عليها، وفي جامعة القرويين ظهرت الكراسي في العهدِ المريني في القرنِ السابع الهجري، وفي أوروبا ظهرت منذ عصر النهضة.

أهمية الكراسي العلمية

تكمن أهمية الكراسي العلمية في شراكتها المجتمعية ومدلولها الحضاري، وفي قيمتها البحثية وأثرها المعرفي، ودورها في التنمية المستدامة، وخدمة المجتمع، وتلبية الاحتياجات، ومعالجة القضايا وإيجاد حلول المشكلات، والارتقاء بالبحث العلمي ومستوى الباحثين وتسخير خبرات الأكاديميين في صناعة المعرفة واقتصاداتها، والإفادة من تجهيزات الجامعة وبنيتها في خدمة المجتمع والمعرفة الإنسانية، وتحقيق التميز والإبداع والابتكار.
ويرى المشرف على كرسي الأمير سلمان بن عبدالعزيز لدراسات تاريخ مكة المكرمة، الدكتور عبدالله بن حسين الشنبري ضرورة الاعتناء بالكراسي العلمية، مشيرا إلى أن الأصل في الكراسي العلمية هو البحث العلمي، موصيا بقصر نشاط برامج الكراسي العلمية على البحث العلمي, وعلى موضوعات محددة، معللا ذلك بأن البرامج المتنوعة للكراسي والفعاليات الثقافية تشتت الجهد وتضعف الجودة وتقلل من إنتاجيتها البحثية وتحد من التميز.

إنشاء كراسي دائمة

ويأمل الشنبري في إنشاء كراسي تدريسية دائمة في المسجد الحرام والمسجد النبوي والجوامع الكبرى، بالشراكة بين وزارة التعليم العالي والرئاسة العامة للمسجد الحرام والمسجد النبوي ووزارة الشؤون الإسلامية، يكون كل كرسي لعلم بعينه له أستاذ واحد من كبار العلماء، وبما لا يزيد عن ثلاثة بالتناوب، ويكون أولها كرسي خادم الحرمين الشريفين للقراءات بالمسجد الحرام، وثانيها كرسي ولي العهد للحديث في المسجد النبوي، ثم بقية الجوامع، وفي ذلك إبراز لدور حكومتنا الرشيدة في خدمة الإسلام والمسلمين وعلوم الدين، واستدعاء للحضارة الإسلامية، حيث كانت الكراسي في تاريخ الحضارة الإسلامية تدريسية وليست بحثية.
ويشير المشرف على كرسي الأمير نايف للقيم الأخلاقية بجامعة المؤسس، الدكتور سعيد بن أحمد أفندي إلى أهمية الكراسي المعنية بالبحوث والدراسات العلمية المبنية على ثوابت الدين والأسس الشرعية، والمنطلقات الوطنية، مؤكدا أن كرسي الأمير نايف جاء ليتماشى مع نهج المملكة المعتدل ومكانتها العالمية، مؤكدا على إسهام الكرسي مع بقية الكراسي العلمية في المملكة في كل ما يخدم الإسلام والمسلمين والوطن والمواطن.

عدم رعاية الجامعات

وعلى الرغم من الجهود المبذولة والنتائج الظاهرة لبعض الكراسي العلمية في الجامعات السعودية وغيرها، تبقى بعضها محدودة الأثر غير مواكبة لمستجدات العصر ومتطلبات الوطنية، كما يبين ذلك بعض المتابعين لأنشطتها، التي أرجعها التربوي والمتخصص في وسائل الشراكة المجتمعية محمد بن سعد الأحمدي إلى عدم رعاية الجامعات لهذه المحاضن العلمية، أو تقوقع مشرفي تلك الكراسي وضآلة فكرهم نحو التميز والإبداع.
ويرى أمين عادل حافظ أن بعض الكراسي العلمية لم تقم بواجبها المطلوب تجاه الأهداف التي رسمتها، ولم تستفد من الميزانيات الضخمة التي رصدت لها، والدعم الذي تلقاها من المتبرعين، حيث نشاهد اقتصارها على اجتماعات وجلسات بين الأعضاء دون حراك علمي مشهود يبرهن على جدية القائمين على تلك الكراسي نحو أهدافها المرسومة.

نجاح الكراسي وفشلها

وقال عضو نادي مكة الثقافي مشهور بن محمد الحارثي «الكراسي العلمية لها دور تنموي كبير بما تقدمه من أبحاث ودراسات تصب في مصلحة الوطن للنهوض والارتقاء به، وقد عرفت هذه الكراسي عند الغرب منذ العصور الوسطى فساهمت مساهمة فاعلة في تطورهم وتقدمهم في المجالات العلمية المتعددة».
ويلفت الحارثي إلى أن الذي أسهم في نجاح هذه الكراسي عند الغرب هو ابتعادهم عن المجاملات الاجتماعية، إذ يوظف لها أفضل المتخصصين في المجال الذي وضعت من أجله، والفيصل في ذلك هو غزارة نتاج الشخص ومدى إلمامه واطلاعه على مادة ذلك الكرسي، فليس كل من تقدم بمسودة عمل لمشروع كرسي علمي تكون له الأحقية في إدارته والإشراف عليه، وكأن هذا الكرسي ملكا له وليس لخدمة المجتمع.
ويشير الحارثي إلى أن الدعم المالي له دوره في تفعيل دور الكراسي، كما أن تنوع مصادر دخل الكرسي من الدولة نفسها، أو المؤسسات العلمية والخيرية والتجارية الأخرى المساهمة، يسهل من إمكانية تحقق أهداف الكراسي، وعدم توفر الدعم المادي الكافي هو الذي يسهم في فشل العديد من الكراسي العلمية واختفائها دون تحقيق أي إنجاز يذكر، بجانب التخطيط السيئ وغير المدروس أو الذي تكون أهدافه أكبر بكثير من أن تتم تفعيلها وتطبيقها على أرض الواقع يعد سببا له وجاهته في اختفاء بعض من هذه الكراسي، مع الأخذ في الاعتبار أن تقاعس القائمين على بعض هذه الكراسي في أداء عملهم على أكمل وجه مما يدخل تحت قاعدة سوء الإدارة هو سبب آخر لذلك الاختفاء الملحوظ لبعض هذه الكراسي، مما يعني فشلها لأي سبب كان.

لجنة عليا متخصصة

ويطرح الحارثي فكرة تكوين لجنة عليا متخصصة في الكراسي العلمية، بإشراف من وزارة التعليم العالي ووزارة التربية والتعليم وبعض الجهات المسؤولة لدراسة المشاريع المقدمة بشكل واف ومقنن، مع الاستفادة من رأي العلماء كل في مجاله لتفعيل دور هذه الكراسي بشكل يضمن لها استمراريتها وتحقيق أهدافها بالشكل المطلوب على أن تقوم هذه اللجنة بدراسة الكراسي المتعثرة وأسباب تعثرها.
ويتابع الحارثي «كما تقوم اللجنة بتعيين الأنسب لإدارة مثل هذه المشروعات العلمية دون محسوبيات، والإشراف على متابعة الكراسي القائمة، والتأكد من أنها تقوم بعملها على الوجه المطلوب مع تقديم و تسخير كل الإمكانيات لها، وفي المقابل تتتوج كراس علمية تحمل أسماء شخصيات عالمية بجهود كبيرة في مسيرتها عطاء ومعالجة وتلبية وارتقاء نحو المعرفة الإنسانية والمكانة المرموقة للمملكة».