التحول الجيوسياسي للطاقة أكبر من الصفقة الروسية الصينية

حين يكتب البروفيسور جوزيف ناي صاحب “مستقبل القوة” عام 2011، وأول من أطلق تعبير “القوة الناعمة” – Soft Power و”القوة الذكية” – Smart Power، فأنت (في قلب المستقبل) ولا تنتظر ما يأتي به، مقال ناي يوم 8 يونيو 2014 هو تدشين لمرحلة جديدة في السياسة الأمريكية بعد أن اكتملت مقوماتها وركائزها، وهو ينطلق من خبر صغير تسبب في بلبلة كبيرة في العالم بخصوص ما أعلنته روسيا والصين من اتفاق في مايو الماضي وهو: تزويد الصين بـ38 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا لمدة ثلاثة عقود ما فسره البعض بأنه تحول جيو - سياسي - تكتوني – A Tectonic Geopolitical Shift.
ناي يؤكد في مقاله “وول ستريت جورنال” أن تعجيل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتوقيع على الصفقة التي أخذت تتشكل ببطء مدة عقد كامل ولم تنضج بعد هو دليل على الضعف السياسي لبلاده وهشاشة الاقتصاد رغم ارتفاع أسعار الطاقة في العقد الأول من القرن 21.
روسيا – حسب ناي – في انحدار كبير ديموغرافيا إذ إنها تشهد انخفاضا في عدد السكان بسبب مشاكل صحية خطيرة وعلى سبيل المثال متوسط عمر الذكور في روسيا هو 60 عاما، كما أن اقتصاد روسيا يعتمد على مصدر واحد، حيث تعتمد اعتمادا كبيرا على صادرات الطاقة وهي بحاجة ماسة إلى إجراء إصلاحات هيكلية لبناء اقتصاد أكثر تنوعا ناهيك عن مغامرتها في أوكرانيا والعقوبات التي فرضت عليها ستمنع حصولها على الأفكار والتكنولوجيا الغربية المتقدمة ما يمكنها من إنعاش اقتصادها واللحاق بالاقتصاد العالمي الجديد، بدلا من كل ذلك أصبحت روسيا مجرد “محطة بنزين” للصين ويبدو أنها لا تستطيع القيام بغير ذلك!

الغاز الصخري الزيتي

التحول الجيوسياسي الحقيقي هو “ثورة الزيت الصخري” والطاقة الجديدة التي انطلق العقد الماضي من الولايات المتحدة في حين أن تقنيات الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي ليس جديدا فإن جسارة تطبيق هذه التقنيات هي نتاج لروح المبادرة الأمريكية والإصرار على ابتكار بدائل الطاقة.
قبل عشر سنوات كان العديد من الخبراء يتحدثون عن ذروة النفط بما في ذلك احتياطات السعودية وصادراتها من النفط، وكان ينظر إلى أمريكا باعتبارها تعتمد بشكل متزايد على واردات الطاقة ناهيك عن بناء المزيد من محطات استيراد الغاز الطبيعي المسال بأسعار مرتفعة.
بدلا من ذلك، أصبح شمال أمريكا هو أكبر موقع في العالم لبناء محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال وبأسعار منخفضة، ويتوقع أن تكتفي الولايات المتحدة “قارة أمريكا بالكامل” ذاتيا في مجال الطاقة بحلول 2020 وفقا لرأي معظم خبراء الطاقة.
وتشير تقديرات وزارة الطاقة أن أمريكا لديها ما يقرب من 25 تريليون متر مكعب من الموارد القابلة من الناحية الفنية لاستخدام الغاز الصخري والتي عند دمجها مع الموارد الأخرى من الغاز والنفط قد تستمر لمدة قرون.
وبالتأكيد فإن ثورة الغاز الصخري الزيتي يترتب عليها عدد من الآثار في السياسة الخارجية الأمريكية، وأن إنتاج الطاقة يدعم الاقتصاد ويوفر المزيد من فرص العمل ويخفض الواردات مما يساعد في ميزان المدفوعات ويخفض الضرائب الجديدة ويخفف أعباء الميزانيات الحكومية المثقلة، وحين تكون الطاقة أرخص تصبح الصناعة أكثر قدرة على المنافسة دوليا لا سيما الصناعات التي تقوم على الطاقة بكثافة مثل البتروكيماويات والألومنيوم والحديد الصلب وغيرها.
هناك أيضا بعض الآثار النفسية في الداخل الأمريكي لهذه الثورة في الطاقة، فقد سادت لبعض الوقت مع ارتفاع أسعار النفط نغمة في الداخل والخارج أيضا تردد أسطوانة مشروخة عن التراجع الأمريكي، حيث كان يستشهد على ذلك بزيادة الاعتماد على واردات النفط والطاقة كدليل على هذه المزاعم.
ثورة الغاز الصخري غيرت من مفهوم حاجة أمريكا وتبعيتها إلى مفهوم جديد يعلي من روح المبادرة وحقوق الملكية والابتكار التكنولوجي والتحكم في أسواق رأس المال أو قل لقد كشفت عن القوة الكامنة في الولايات المتحدة.

أمريكا والشرق الأوسط

اللغط الذي ساد بعد هذه الاكتشافات حيث جادل المشككون بأن تخفيض الاعتماد على واردات الطاقة سيتسبب في انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط هو قراءة خاطئة لاقتصاديات الطاقة في العالم، إن نشوب الحرب في الشرق الأوسط لأي سبب كان أو أي هجوم إرهابي كبير من شأنه أن يوقف تدفق النفط والغاز من خلال مضيق هرمز وقد يرفع الأسعار إلى مستويات عالية جدا في أمريكا والحلفاء في أوروبا واليابان علاوة على ذلك فإن الولايات المتحدة لديها العديد من المصالح الأخرى غير النفط في المنطقة منها منع انتشار الأسلحة النووية وحماية إسرائيل ومكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان.
قد تكون الولايات المتحدة حذرة بالفعل مما يجري في الشرق الأوسط الآن لكن هذا الحذر المفرط ناتج عن تجربتها المكلفة جدا مع غزو العراق والاضطرابات بشكل عام التي جاءت بها الثورات العربية وليس بسبب اكتشافات الغاز الصخري الزيتي.
إن أوهام استقلال أمريكا بسبب الطاقة الجديدة وانسحابها سياسيا من الشرق الأوسط قراءة مغلوطة جيوسياسيا، إن قدرة الولايات المتحدة على استخدام العقوبات النفطية لإجبار إيران على الجلوس على مائدة المفاوضات حول برنامجها النووي لا يتوقف فقط على استعداد السعودية لتعويض النقص في الأسواق بضخ مليون برميل من النفط يوميا ولكن أيضا نتيجة للتوقعات والتقديرات التي قمنا بها بعد الاكتشافات الجديدة من الغاز الصخري الأمريكي.
أما المزايا الأخرى لثورة الغاز الصخري الزيتي على السياسة الخارجية الأمريكية فهي تقليص قدرة دول مثل فنزويلا على شراء الأصوات في منظمات دولية كالأمم المتحدة والدول الإقليمية في جزر الكاريبي الصغيرة عن طريق الرشوة بشاحنات من النفط.
والأهم من ذلك أنه إذا وافقت الحكومة الأمريكية على زيادة الصادرات من الغاز الطبيعي المسال فإن ذلك سيخفض في نهاية المطاف من قدرات روسيا ونفوذها وتهديد جيرانها بقطع إمدادات الغاز الروسي عنهم وإكراههم على تنفيذ ما تريد.
الخلاصة إن التحول الجذري في الجغرافيا السياسية للطاقة، ليس بالتأكيد صفقة خط أنابيب الغاز بين روسيا والصين وإنما هو شيء أكبر بكثير!