البحث العلمي: توخي الواقعية تجاه كيفية عمل العلم
الأحد، ٨ يونيو ٢٠١٤
تختلف سمات العلماء للتفكير نحو المستقبل عن تلك التي يستند إليها الناس العاديون. فالأمل في مصطلح العلماء ليس إلا أحد الاستراتيجيات غير الجيدة لأن الشخص الذي يعيش على الأمل ليس كالذي يضع أمامه أهدافا ويوجد لها دوافع لتحقيقها. ولعل هذه النقطة تبدو منطقيا أحد المعولات الرئيسة لنجاح التنافسية البحثية في دول العالم الأول والدول الصناعية كأمريكا وكندا وبريطانيا وكوريا والصين واليابان وفشلها عندنا إذا استرجعنا مفردة التفكير بطريقة وضع الأمل أو إيجاد الدوافع للأهداف، وجعلناها كقالب لقياس نسبة فشل بعض المشاريع البحثية الوطنية التي استنزف فيها الباحثون جهودا مالية ضخمة ضختها الحكومة لتوطين البحث العلمي، غير أننا كمواطنين وشباب في أول درجات السلم البحثي لم نجن إلا بعض الدعايات الصحافية ونشر أسماء أولئك الباحثين بجانب أسماء علماء دوليين من أجل الترقية الأكاديمية و»احتلال» المناصب الإدارية والقيادية والالتفاف على تحصيل الأموال بطرق فاسدة ذات ظاهر مبرر قانونيا دون فائدة حقيقية لتنمية روح البحث العلمي في أجيال الشباب أو رفع مستوى البحث الوطني للسوق التنافسي الدولي خصوصا ما يتعلق بالطب وعلم الأمراض، كون هذين الحقلين محليا هما من يستأثر بنصيب الأسد سنويا من ميزانية البحوث العلمية.
في المقابل، حينما حددت مجموعة أمريكية مؤثرة داعمة موعدا نهائيا للقضاء على سرطان الثدي بحلول 2020، تلقت تلك المنظمة انتقادا علميا عقلانيا لاذعا من قبل العلماء، نشر في أحد أعداد مجلة النيتشر. حيث رأت المجلة أن تحديد 2020 كموعد نهائي للقضاء على سرطان الثدي -برغم تأييد الرئيس الأسبق بيل كلينتون والذي توفيت أمه بهذا المرض وكونه الرئيس الفخري للحملة التي أطلقها- يعد أمرا مضللا ومن المحتمل أن يضر بثقة الجمهور الذي يدعم المشروع البحثي بأكمله فضلا عن الإضرار بالمرضى الذين يتشبثون بالأمل مهما كانت درجة صحته.
تحت عنوان «هدف القضاء على السرطان يفتقر إلى التوجيه» سردت المقالة الانتقادية مبررات عقلانية علمية تفند إعلان المنظمة بأسلوب يزيد من ثقة القارئ في صحة تلك الانتقادات المنطقية. حيث أورد الائتلاف المنادي بالقضاء على السرطان بحلول 2020 مخططا على موقعه بالانترنت يشتمل على 4 صفحات تفصيلية تستفيض بالحديث الطموح عبر توفير اللقاحات وتطويرها واستهداف الجهاز المناعي من خلال الخطط الموضوعة والمشاريع المحفزة إلى آخره. وبرغم منطقية الإعلان علميا لدرجة كبيرة إلا أن الانتقادات رأت، وبرغم أن الأهداف الطموحة شيء مبرر تماما، أن هذه الخطط لم تضع في الحسبان المشكلات التي ستواجهها. فسرطان الثدي في درجة تعقيده حاليا ليس كالحملة التي رمت للتخلص من الجدري بعدما تم توفير لقاح له. كما أن المشاكل التي واجهها العلماء مع شلل الأطفال برغم توفير اللقاح منذ 60 عاما كفيلة بمنح العبرة والعظة بشأن الاستحسان للقضاء على أي مرض.
سرطان الثدي من الأمراض المعقدة إذا نظرنا إليه على المستوى الجزيئي لأن من يحكمه عوامل معقدة جدا يرتبط بعضها بالبروتينات الخلوية وبعضها بتحور الجين أو طفرته، وقد تختلف الجينات والبروتينات المسؤولة عن السرطان من سيدة لأخرى مما يصعب إيجاد علاج مستهدف لهذه الحالات، فضلا عن عدم قابلية المرض للعلاج حد اللحظة بسبب بيولوجيا الإنسان ذات المظاهر اللانهائية المتجذرة في الجينات. كما أن توفر العلاج الواعد يعني أنه علينا الانتظار لفترة بين 8 إلى 10 سنوات لإجراء تجارب اكلينيكية، وهي التي تجعل موعد 2020 مستحيلا، إذا وضع بالاعتبار أن التجارب ذات القيمة الحقيقية لا تتطلب سنوات بل عقودا من الزمن بسبب مختلف التأثيرات التي يتعرض لها تطور سرطان الثدي طول العمر، كالدراسة البريطانية Breakthrough generation التي سجلت المشاركة 100 ألف بعام 2009، ويتوقع لها أن تستمر لمدة 40 عاما!.
ومن ثم فإن استكشاف حل لمشكلة ما، يجدر ربطه بموعد محدد على وجه الدقة. فهناك خيط رفيع بين مبالغات تقديم الوعود وبين خلق شعور بضرورة التحرك بفعالية، وبحسب المقالة فإن: «من الأفضل أن نكون مع الجانب الذي يتوخى الواقعية تجاه كيفية عمل العلم وما يمكن تحقيقه في الوقت الحالي».