لماذا "المرأة" وليس الإنسان؟!

نتساءل أحياناً، لماذا نتحدث عن المرأة فقط، ولماذا نفصل في خطابنا بينها وبين الرجل وكأنهما كائنان من فصيلة مُختلفة؟. وقد يتبادر إلى أذهاننا أننا إذا أردنا حقا الدفاع عن إنسانية المرأة يجب ألا نفصلها عن الرجل. فالخطاب الذي يتناول إنسانية المرأة دون الأخذ بعين الاعتبار إنسانية الرجل، خطاب لا إنساني.
وبدلاً من تركيزنا على المرأة أو الرجل يجب أن نركز على الإنسان، وبالتأكيد هذا كلام صحيح وسليم مئة بالمئة. ولكن يجب أن نُدرك أن هذه المرحلة من الخطاب مرحلة لاحقة ومتقدمة يجب أن تسبقها عمليات تصحيح وترميم وإعادة صياغة للمفاهيم، بمعنى آخر يجب أن نقوم بتصحيح الأفكار المميتة في موروثنا الثقافي عن ماهية المرأة والصورة المشوهة التي ما زالت إلى الآن منتشرة في فضاءات العالم العربي. بداية من الأغاني الشعبية والفنون والآداب وعلوم الاجتماع وغيرها.
تظهر هذه الصورة المشوهة للمرأة بطرق متعددة بداية من الترميز إلى العادات والتقاليد والقوانين التي تحكم المنظومة الاجتماعية داخل الأسرة والعمل والمدرسة وأماكن العبادة وغيرها. ومثال ذلك ما طرحناه في مقال سابق عن كناية المرأة بالحيوانات والأشياء كالحية والأفعى والأرض البور والوعاء والنعال والعتبة وغيرها. ففي مرحلة ما كان الأدب العربي يعج بفكرة «سي السيد» والتي في أصلها تعزز سيادة الرجل على المرأة عن طريق «شاوروهن وخالفوهن» والذي يعتقد كثيرون أنه حديث نبوي، وذلك أبعد ما يكون عن الصحة، والكثير الكثير من الأفكار تجعل من المرأة في مكانة دون الإنسانية أصلاً.
ومن أكثر الأفكار التي استوقفتني أثناء البحث والدراسة ما طرحه الدكتور محمد فكري الجزار في كتابه معجم الوأد، حيث يقول «إن علاقة العنف بين أي طرفين لا تهدر إنسانية المعنوف به فقط، وإنما إنسانية الطرفين، وفي المقابل فإن تحرير هذا الطرف أو ذاك، يحرر - بالضرورة - الطرف الآخر»، والمقصود هنا أن إهدار إنسانية المرأة يعني إهدار إنسانية الرجل والمرأة على حد سواء.
إن العنف الرمزي والاجتماعي والفكري وغيرها من أنواع العنف ضد المرأة تجعل من المرأة الضحية المقهورة ومن الرجل الضحية التي أعطيت السلاح طوعا.
إن المجتمع الذكوري يطالب الرجل بأن يُحكم قبضته الحديدية على المرأة، لأن المرأة اذا أعطيت الحرية فإنها ستتحول إلى شيطان متمرد، وعدو لدود لعفة المجتمع وسلامة أمنه. تخلق المجتمعات الذكورية العنف بين الجنسين، ولا تبحث عن الحلول، فالحلول في نظرها تتمثل في القمع وكثير من القمع.
وهذا ما يجعل الحلول التي تتخذها تلك المجتمعات في قضايا عنف المرأة، آنية لا تُقدم للمرأة سوى الخوف والرهبة من أن يُشار إليها بالبنان بأنها امرأة مُعنفة من قِبل وليها. ولكي نصل إلى مجتمع يتعايش فيه الرجل والمرأة بسلام على حد سواء، يجب أن نُدرك خطورة الأفكار التي تدور في فضاءاتنا. الصورة الذهنية التي تقدمها اللغة والأدب والفن والعادات الاجتماعية في الوقت الراهن، مشوهة خالية من الإنسانية. وإلى أن نعترف أن إنسانية المرأة تعني بالضرورة إنسانية الرجل، سيبقى المجتمع الذكوري محل شك ومساءلة بالنسبة للمرأة، وسيصعب عليها أن تثق بنفسها، فضلا عن ثقتها بإنصاف المجتمع لقضيتها.