صابر: الفصل بين عالِم الدين وعالِم الفلسفة باطل وغير مبرر
الجمعة، ٦ يونيو ٢٠١٤
انطلقت مؤسسة مؤمنون بلا حدود من الرباط في مايو عام 2013، وأنجزت في عام واحد فقط مؤتمرين كبيرين وعشرات الندوات، وأصدرت كتبا ومجلات وأبحاثا ودراسات في الحقول الثقافية بشكل عام والدينية بشكل خاص.
فترة قصيرة في عمر المؤسسات والمراكز البحثية اختزلها عدد من الباحثين «المؤمنين» عبر مؤسستهم في العاصمة المغربية الرباط، ومنهم مولاي أحمد صابر المشرف على تنسيق الدراسات التي تعمدها المؤسسة في المغرب.
1 - أثارت مؤسستكم الجديدة تساؤلات عن نشاطها وحركتها في عمر قصير، نود أن تطلعنا على نبذة عنها؟
مؤسسة مؤمنون بلا حدود مؤسسة للدراسات والأبحاث، تأسست في مايو 2013، تُعنى بتنشيط البحث المعرفي الرصين في الحقول الثقافية والمعرفية عموما، والدينية خصوصا، وتتكرس اهتماماتها على دراسة منظومة الأفكار المؤسسة للعقل الثقافي الكلي في المنطقة، وتسعى في الشق العملي إلى اختبار اجتهادات المفاعيل الثقافية والفكرية والمجتمعية في الفضاء العربي الإسلامي، نظريا وواقعيا، كما أنها نذرت نفسها كي تعزز إبداعات الباحثين الجادين، سيما الشباب منهم، ولذا تعنى بالأساس في تكثيف نتاجاتهم.
2 - حدثنا عن مؤتمركم الأخير عن تجديد الخطاب الديني، ولماذا اخترتم هذا الموضوع؟
في تقديرنا أن الإصلاح والتجديد في فهم الدين من خلال قراءة النص الديني قراءة معرفية تنسجم مع المحيط الحضاري والثقافي والكوني في الوقت الراهن، وذلك باستحضار كل آليات المعرفة الحديثة، سيكون مدخلا لحل الكثير من المشكلات العالقة مثل مشكلة التطرف والطائفية والإقصاء وعدم قبول الرأي الآخر.
ففهم قضايا الدين والنص الديني بشكل عقلاني لا شك سيكون مفتاحا بالإيمان بأن الحقيقة الدينية لا يحتكرها طرف دون آخر. كما أن عقلنة فهم الدين وقضاياه قد تضفي على التاريخ بأكمله وأقوال العلماء والأئمة وغيرهم طابع النسبية بدل القداسة التي لا تسمح بنقاش ما قال به المتقدمون، فكل الناس يؤخذ من كلامهم ويرد، إذ من المطلوب في تعاملنا مع موروثنا الثقافي أن نرى فيه بعقل اليوم، وهذا يمكننا من غربلته وتجاوز ما لا يصلح منه لحاضرنا، وفي الاستفادة في الوقت ذاته من القضايا التي تنسجم مع محيطنا اليوم.
3 - هل لديكم اهتمام بجماعات الإسلام السياسي والحال التي آلت إليها بعد ثورات الربيع؟
المشكلة لا تكن في الإسلام السياسي كمعطى إيديولوجي وغيره من النزعات الإيديولوجية الأخرى بقدر ما يرتبط المشكل بطبيعة نظم التفكير المرتبطة بالعقل المسلم بكل تشعباته المذهبية والفكرية. مشكلتا تكمن مع سؤال المنهج في التعاطي مع الموروث الثقافي إلى أي مدى نتحرر من التراث ونقرؤه قراءة نقدية ونخرج من القراءة التبجيلية التي تسقطنا في الإيديولوجيا والطائفية وغير ذلك.
والإسلام السياسي لا يعد إلا تمظهرا من تمظهرات الأزمة، وهناك تمظهرات أخرى مثل مشكلة الفقر في العالم الإسلامي ومشكلة عدم الاهتمام بالبحث العلمي
وغير ذلك.
4 - تراهنون على العقل والفلسفة كثيرا مع أنهما منبوذان في الخطاب الديني التقليدي؟
طبعا نحن في العالم الإسلامي في حاجة أكثر مما مضى إلى بسط الدرس الفلسفي وتقوية الموقف من الفلسفة أي صوت العقل، فالفلسفة لا يعني أنها تصطدم بالدين أو بالشريعة كما يروج البعض، فلو رجعنا لتاريخنا لوجدنا كبار العلماء في الشريعة كانوا فلاسفة وقد كتبوا في الفلسفة، وينبغي أن نكون مثلهم اليوم، ولا ندري لماذا هذا الفصل القائم اليوم بين رجل الفلسفة ورجل الدين كأن الدين والعقل شيئان متعارضان، فهذا غير صحيح، وبلغة الفقهاء أمر باطل لا دليل ولا حجة عليه، فرجل الدين اليوم وحتى يكون وفق متطلبات المرحلة الراهنة ينبغي له أن يفهم في أمور الفلسفة وأمور الطب وأمور مختلف العلوم، وإلا فسيبقى فهمه للدين منحصرا في زاوية ضيقة منغلقة لا تتسع حتى لذاته، وإعادة الاعتبار للدرس الفلسفي من حيث القراءة والاهتمام المنهجي فيه إعادة الاعتبار للدين، فالدين في روحه لم يكن خصما للفلسفة ولا الفلسفة في مقصدها العام خصما للدين.
5 - للمغاربة باع طويل في مثل هذه الدراسات والانشغالات لاعتبارات كثيرة فيما المشارقة متحفظون؟
في تقديري نحن نتحدث عن عقل كلي إسلامي، وهذا لا يعني أنه عندما نقول إسلامي فهو في مقابل بمنطق التضاد مع عقل آخر، فهذا غير وارد، فإسلامي هنا من باب الخصوصية الحضارية والثقافية، وهي خصوصية لها ما لها وعليها ما عليها، إذ من الأولى أن نستفيد من كل تجارب العقل الإنساني. وفي تقديري أن كلمة إسلامي هذه تفقد معناها وجوهرها إذا فصلناها عن كلمة إنساني، فالإسلام من السلم والسلام والمسالمة، وهذا جوهر الإنسانية في مستوياتها الراقية، وعندما نتحدث عما هو كلي فهذا يعني أن له جزئيات وجوانب تشكله، جغرافيا مثلا (.. شرقي مغربي، وربما شمالي جنوبي)، فلا قيمة للكل من دون الأجزاء كلها.
وفي تقديري من الأولى أن نخرج من هذه التقابلات، فنحن نتحدث عن إنسانية الإنسان وعن عقلانية إنسانية بمدخل التعددية الفكرية والدينية، وفقا لمبادئ الحوار والتواصل الثقافي المفتوح، التي تضمن لكل طرف كيفما كان الأحقية في الوجود والحضور والتعبير بدل الإقصاء وهيمنة الرأي الواحد، سواء باسم الدين أو باسم العلم، وفقا لقاعدة البقاء للأصلح بدل مقولة البقاء للأقوى، والقرآن يقول: « فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض»، فكونية القرآن ورسالته المفتوحة تقتضي كل هذا وأكثر.