فلسفة الجنوح الشعري
الجمعة، ٦ يونيو ٢٠١٤تعود إشكالية العلاقة بين الفلسفة والشعر إلى مطالبة أفلاطون بطرد الشعراء خارج مدينته الفاضلة، لأنهم ينحرفون بالفكر عن درب الحقيقة، من خلال إخضاعه لإغراء الصور المضللة، وذلك في الكتاب الثالث من (الجمهورية)، إذ ربط أفلاطون المعرفة بالفلسفة ووسم الشعر بالعاطفة والعالم الحسي، فجعله بذلك نقيضا للفلسفة وأثار موقف أفلاطون حملة من الانتقادات على يد ديكارت أو أغامبين القائل: «يستوعب الشعر موضوعه الخاص من دون معرفته، بينما تعرف الفلسفة موضوعها من دون أن تستوعبه».
وقد استعرَت النظرة المناهضة للأدب والشعر في القرن التاسع عشر مع انبهار الإنسان بإنجازات الثورة الصناعية، ونعت أصوات الأدب والشعر، وأعلنت بداية عصر العلم والمعرفة والتنوير والعقلانية. ولعل الخصام بين الفلسفة والشعر مجرد خدعة، فكلاهما يكمل بعضه بعضا، فيتمم الشعر عمل الفلسفة وتواصل الفلسفة عمل الشعر، فهما يؤسسان معا فضاءنا الروحي. فعالم بلا فلسفة عالم أهوج تتقاذفه الرياح، وعالم بلا شعر عالم قاحل فقد روحه.
وأكد الفارابي لذة الشعر: «والأقاويل الشعرية منها ما يستعمل في الأمور التي هي جدّ، ومنها ما شاء أن يستعمل في أصناف اللعب. وأمور الجدّ هي جميع الأشياء النافعة في الوصول إلى أكمل المقصودات الإنسانية، وتلك هي السعادة القصوى».
تتواصل الفلسفة مع الشعر إذن، عبر اللغة، ويتمايز الاثنان في كيفية كتابة واقع ما نشعر به ونفكّر فيه. من هنا كان السؤال: أيفكّر الشاعر عندما يكتب! والفيلسوف أيكتب عندما يفكر! في الواقع، الكتابة هي مكان الصراع بين هذين النشاطين الإنسانيين، وهي مجال الاختلاف بينهما لجهة اقترابهما من الواقع وملامسته، والتعبير عنه. كما اتضح في كتاب (جنوح الفلاسفة الشعري) لكريستيان دوميه.