رحلتي إلى كوريا.. نماذج لحب العمل
الأربعاء، ٤ يونيو ٢٠١٤
في فترة بداية السبعينات كان أعداد من العمال والمهندسين الكوريين يعملون في مدن بلادنا، حيث بدأت الطفرة الاقتصادية ومعها بدأ التطوير العمراني والبنية التحتية من طرقات سريعة بين المدن بعدة مسارات واتجاهات وكباري وجسور وأنفاق، وكذلك شـوارع من الدرجة الأولى داخل المـدن مع بناء الأرصفة والإنارة. وكانت بدأت للخطوط السعودية رحلات ما بين جدة/ الرياض وسيئول في كوريا الجنوبية.
أتذكر أنني عندما وصلت في أول رحلة لي إلى سيئول حيث كنت أعمل طيارا في ذلك الوقت. كانت سيئول مدينة عادية من مبان قديمة وشوارع قليلة وتصورتها كما كانت جدة في تلك الأيام، وكان هناك نهر على حافة المدينة وضفتاه غير مرصوفتين. وعندما دخلنا أطراف المدينة كانت أغلب الشرفات والبلكونات مليئة بمرطبانات بأحجام مختلفة ومرصوصة على بعض. فعندما سألت عن تلك المرطبانات قالوا إنها مليئة «بالكمشي» مخلل معمول بخضار الملفوف يعملونه ويأكلون منه طوال السنة خاصة في فصل الشتاء حيث الشتاء شديد البرودة. المهم كنت أشبه مدينة سيئول بمدينة جدة البيوت قديمة وقليلة.
مدينة جدة بدأت تنمو وتكبر وبدون بنية تحتية حقيقية كالمجاري وتوصيلات المياه، وفى نفس الوقت مدينة سيئول أيضاً بدأت تنمو وتكبر بتنظيم وبكافة البنى الأساسية. حتى النهر بدأ تعمير أطرافه حيث تم رصف الضفتين بأسلوب فني وتقني ووضعت الكراسي للمتنزهين في تلك المنطقة.
الشعب الكوري شعب منظم وعملي ويحب العمل، ويعمل بكل جد وبنوا بلادهم ومدنهم بعد ما بنوا الطرقات الرئيسية في بلادنا، ولو كانوا بقوا لكان لأتموا كافة البنية التحتية والأساسية. ولم يقفوا عند العمران المدني بل تطوروا في كافة مجالات الصناعة، حيث صار هذا البلد في الفترة القصيرة حوالى 30 إلى 40 سنة من أكبر الدول الصناعية والاقتصادية، وتمت صناعة الهواتف والاتصالات والأدوات الكهربائية من المكيفات إلى الثلاجات ومن ثم صناعة السيارات، وبعد ذلك بناء السفن البحرية الكبيرة مثل ناقلات النفط والبضائع والبواخر السياحية ذات الأدوار، وبناء القطارات ومعدات الزراعة، يعني لا شيء يتخيله الناس إلا ودخلوا غمار صناعته صغيرة كانت أو كبيرة، الآن صاروا يصنعون الطائرات الحربية وقريباً سيبدؤون بصناعة الطائرات التجارية وهلم جرا.
بمناسبة حبهم للعمل أو جهدهم فيه أتذكر تجربة صغيرة حصلت معي عندما رأيت قميصا أعجبني في أحد المتاجر ودخلت المتجر لأشتريه فقالوا لي: إنه ليس للبيع بل هو مصنوع خصيصا لزبون آخر، وعندما هممت بالخروج من المتجر قال لي صاحب المحل إذا أعجبك هذا ممكن نخيط ونعمل لك مثله – فشكرته معتذرا قائلا: إنه ليس لدي وقت لأنني مسافر غداً فقال لي نأتيك بهذا القميص قبل مغادرتك الفندق. فقلت له إنني سأغادر الساعة 3:30 بعد الظهر – قال: ستجد طلبك قبل مغادرتك الفندق – فعندما وجدت جدية في كلامه طلبت منه عمل 7 قمصان من عدة أنواع وخاصة قمصان العمل و3 قمصان تحت البدل الرسمية فتشجع زميلي وطلب 4 قمصان، وبدلاً من أن نشترى قميصاً واحداً اشترينا 11 قميصاً ونحن لسنا متأكدين من انتهاء القمصان في وقتها. وخرجنا مطمئنين لأننا لم ندفع مقدماً أي مبلغ بل صاحب المتجر قال لنا تدفعوا القيمة عندما يصلكم الطلب في اليوم التالي، وقبل مغادرة الفندق بنصف ساعة وصلت القمصان! كانت القمصان مرتبة وملفوفة بورق السلوفان الشفاف وموضوعة في علب كأنها قادمة من بوتيك فرنسي. ولم يكن فيها غش وقد لبستها مدة طويلة.
هؤلاء هم الكوريون الذين يعملون بكد وجهد حتى وصلوا ببلادهم إلى قمة الدول الراقية. بعد أن كانت كوريا الجنوبية من أضعف الدول أصبحت في مصاف أقوى دول آسيا اقتصاديا وصناعيا، وبالتالي معنويا في خلال مدة ثلاثين عاماً. وكثير من البلدان في الشرق والغرب وأفريقيا بقيت في مكانها بدون أي تطور أو تقدم في أي مجال كان، وأولئك تقدموا في عالم التقنيات مراحل جبارة! ووصلوا إلى صفوف البلاد المتقدمة «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» صدق الله العظيم.